الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رد المؤلف عليه بالتفصيل في معنى قوله ومناقشته على كل تقدير

الوجه الثالث- قوله: "أما حدوث الذوات ابتداء فهذا شيء ما شاهدناه البتة، ولا يقضي بجوازه وهمنا ولا خيالنا".

فيقال له: قولك: "لا يقضي بجوازه وهمنا ولاخيالنا" أتريد أن وهمنا وخيالنا يحيل ذلك ويمنعه؟ أو تريد أنه لا يعلم جوازه؟ وأيما أردت فعنه جوابان: أحدهما: أن لا نسلم أن وهمنا وخيالنا يحيل ذلك ويمنعه لوجهين: (أحدهما ): أن الوهم والخيال لا يمنع كل ما لم يعلم نظيره، وإن قيل: إنه لا يدركه إلا أن يريد الوهم والخيال الفاسد، فهذا لا نزاع فيه. (الثاني ) أن الوهم والخيال قد أدرك نظير هذا كما قدمناه من تخيل ما أحسه من إبداع الجواهر [ ص: 274 ] وأعراضها بعد عدمها.

الجواب الثاني: عن التقدير الأول: أنا لو سلمنا أن وهمنا وخيالنا يحيل ذلك فليس محذورا إذا علمنا جوازه بعقلنا وحسنا؛ فإن أحدا لم يقل إن كل ما أحاله مجرد التوهم والتخيل يكون ممتنعا؛ وإنما قيل ما أحالته الفطرة الإنسانية والبديهة، والفرق بينهما ما تقدم.

وأما الجوابان على التقدير الثاني: وهو أن الوهم والخيال لا يعلمان جواز ذلك.

(فأحدهما ) أن لا نسلم أن الوهم والخيال لا يعلم جواز ذلك، فإن الإنسان قد يتخيل ما أحسه بحواسه من الموجودات بعد عدمها، وهو يؤلف بتخيل من ذلك ما لم يتخيله كما هو عادة التخيل، فيتخيل نظير ذلك وما يركبه من ذلك مما ليس له نظير، كما يتخيل جبل ياقوت وبحر زئبق، فيتخيل من [ ص: 275 ] المخلوقات ما ليس له نظير، ويتخيل الإبداع الذي ليس له نظير، فكيف بما له نظير؟ ! (الثاني ) أنا لو سلمنا أن الوهم والخيال لا يعلم جواز ذلك لم يضر؛ ولو لم يعلم جواز نظيره أو وجوده بحس أو عقل، فكيف إذا علم ذلك؛ فإنما المدفوع ما علم بالفطرة امتناعه؛ لا ما عجز مجرد الوهم عن معرفته.

الوجه الرابع- قوله: (من أنا سلمنا أنه تعالى هو المحدث للذوات ابتداء من غير سبق مادة وطينة ).

يقال له: هذا الذي تذكره إنما ينفعك أن لو كان ما علمناه بالفطرة يدفع ما سلمنا؛ فكيف إذا لم يدفعه ما علمناه لا بضرورة؛ بل ولا يدفعه ضرورة ولا نظر؛ بل كيف إذا كان ما شهدناه نظيرا له ومشابها، بل كيف إذا كان الذي شهدناه أبلغ من الذي سلمناه؛ فإن الذوات التي ابتدعت ابتداء إنما هي ذوات بسيطة كالماء ونحوه، ومن المعلوم أن إبداع هذا الإنسان المركب بما فيه من الأعضاء المختلفة ومنافعها وقواها والأخلاط المختلفة ومقاديرها وصفاتها من أشياء بسيطة أعظم في الاقتدار وأبلغ في الحكمة من إبداع شيء بسيط لا من شيء؛ لأن هذه المركبات كلها كائنة بعد عدم، وتأليفها وتركيبها كذلك، وما فيها من [ ص: 276 ] الجواهر والتأليف والصفات الكائن بعد العدم أبلغ مما في تلك البسائط. وهذا كما أن ما شهدناه من الخلق الأول أبلغ مما أخبرنا به من الخلق الثاني في المعاد، كما قال تعالى: وهو الذي يبدأ الخلق، ثم يعيده وهو أهون عليه [الروم: 27 ]. وقال: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم [يس: 78، 79 ] ونظائره في القرآن. فإذا كان مستقرا في الفطرة العقلية أن ابتداء الخلق أعظم من إعادته، فمستقر فيها أن إبداع المركبات وتركيبها وصفاتها بعد العدم أبلغ من إبداع البسائط المفردات؛ لكن المركب لا بد أن يكون مسبوقا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث