الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
وأما فتنة "إنكار الكلام لله -عز وجل-" فأول من بدعها [ ص: 227 ] جعد بن درهم، فلما ظهر جعد قال الزهري وهو أستاذ أئمة الإسلام حينئذ ليس الجعدي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم -ورواه بإسناده- من طريق ابن أبي حاتم، فأخذ منه جهم بن [ ص: 228 ] صفوان هذا الكلام فبسطه وطراه، ودعا إليه فصار به مذهبا، لم يزل هو يدعو إليه الرجال وامرأته زهرة تدعو إليه النساء، حتى استهويا خلقا من خلق الله كثيرا. فأما الجعد فكان خزري الأصل، فيما أخبرنا –وأسنده- عن قتيبة بن سعيد، ولكن جهم بسط ذلك المذهب وتكلم فيه، وهو صاحب ذلك المذهب الخبيث، وكانوا قد حذروه فيما أخبرناه [ ص: 229 ] -وأسند ذلك- من طريق ابن أبي حاتم إلى مقاتل بن حيان قال دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل بلخ، قال: كم بينك وبين النهر؟ قلت: كذا فرسخا، قال: هل ظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم؟ قلت لا، قال: سيظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم يهلك [ ص: 230 ] خلقا من هذه الأمة يدخله الله وإياهم النار مع الداخلين. فأما الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري على رؤوس الخلائق وما له يومئذ من نكير، وذلك سنة نيف وعشرين ومائة. وأما الجهم وكان [ ص: 231 ] بمرو فكتب هشام بن عبد الملك إلى واليه على خراسان نصر بن سيار يأمره بقتله، فكتب إلى سلم بن أحوز وكان على مرو فضرب عنقه بين [ ص: 232 ] نظارة أهل العلم، وهم يحمدون ذلك.

فهذه قصة فتنة أهل المشرق، بها بسطت ومهدت، ثم سارت في البلاد فقام لها ابن أبي دؤاد وبشر بن غياث فملآ [ ص: 233 ] الدنيا محنة والقلوب فتنة، دهرا طويلا، فسلط الله تعالى عليهم علما من أعلام الدين، أوتي صبرا في قوة اليقين أبا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، فشد المئزر، وأبى الفتنة، وجاد بالدنيا، وضن بالدين، وأعرض عن الغضاضة على طيب العيش، ولم يبال في الله خفة الأقران، ونسي قلة الأعوان، حتى هد ما شدوا، وقد ما مدوا.

فأما قول الطائفة التي قالت بالقدر فأرادت منازعة في [ ص: 234 ] الربوبية وقعت فيها فضاهت المجوسية الأولى وهم الزنادقة التي كانت تشوش على الأولين دينهم، ولعنهم الله تعالى على لسان سبعين نبيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا آخرهم".

التالي السابق


الخدمات العلمية