الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 679 ] وحكي عن ابن الباقلاني إنكار الترجيح في الأدلة كالبينات ، وليس بشيء ، إذ العمل بالأرجح متعين .

وقد عمل الصحابة بالترجيح ، والتزامه في البينات متجه ، ثم الفرق بينهما أن باب الشهادة مشوب بالتعبد ، ولهذا لو أبدل لفظ الشهادة بلفظ الإخبار لم تقبل ، ولا تقبل شهادة جمع من النساء وإن كثرن على باقة بقل بدون رجل ، بخلاف الأدلة ، ومورد الترجيح إنما هو الأدلة الظنية من الألفاظ المسموعة ، والمعاني المعقولة ، فلا مدخل له في المذاهب من غير تمسك بدليل ، خلافا لعبد الجبار ، ولا في القطعيات ، إذ لا غاية وراء اليقين ، والألفاظ المسموعة نصوص الكتاب والسنة ، فيدخلها الترجيح إذا جهل التاريخ ، أو علم وأمكن الجمع بين المتقابلين في الجملة ، وإلا فالثاني ناسخ إذ لا تناقض بين دليلين شرعيين ، لأن الشارع حكيم ، والتناقض ينافي الحكمة ، فأحد المتناقضين باطل ، إما لكذب الناقل أو خطئه بوجه ما في النقليات ; أو خطأ الناظر في النظريات ، أو لبطلان حكمه بالنسخ ، والمعاني المعقولة والأقيسة ، ونحوها .

التالي السابق


قوله : " وحكي عن ابن الباقلاني إنكار الترجيح في الأدلة كالبينات " ، أي : قال : لا يرجح بعض الأدلة على بعض كما لا يرجح بعض البينات .

قوله : " وليس بشيء " . يعني قول الباقلاني هذا ليس بشيء ، لأن " العمل بالأرجح متعين " عقلا وشرعا ، " وقد عمل الصحابة بالترجيح " مجمعين عليه .

وقد نص الشارع على اعتباره حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله - عز وجل - . . الحديث فهذا تقديم للأئمة في الصلاة [ ص: 680 ] بالترجيح . ولما بعث بعض السرايا ، استقرأهم القرآن ، فوجد فيهم رجلا يحفظ سورة البقرة ليس فيهم من يحفظها غيره ، فأمره عليهم ترجيحا له بحفظها . ولما كثر القتلى يوم أحد ، أمر بدفن الجماعة في القبر الواحد ، وقال : قدموا أكثرهم قرآنا وبالجملة فالترجيح دأب العقل والشرع حيث احتاج إليه .

قوله : " والتزامه " ، أي : التزام الترجيح " في البينات متجه " ، لأن إحدى البينتين إذا اختصت بما يفيد زيادة ظن ، صارت الأخرى كالمعدومة ، إذ [ ص: 681 ] المرجوح مع الراجح كذلك ، ولأنه إذا جاز استعمال الترجيح في أدلة الشرع العامة المبينة لقواعده الكلية ، فاستعماله في أدلته الخاصة المبينة لفروعه الجزئية أولى . لا يقال : لو استعملنا الرجحان في البينات لأفضى إلى تعطيل الأحكام أو إبطالها من جهة أن كلما شهدت بينة أمكن أن يؤتى بأرجح منها ، وهو خلاف مقصود الشرع من نصب الحكام ، وهو تنفيذ الأحكام ، وفصل الخصام .

لأنا نقول : نحن إذا استعملنا الترجيح في البينات فإنما نستعمله ما لم يتصل بشهادة البينة حكم ، فإذا حكم بها مضت شهادتها ، ويكون ذلك صيانة لحكم الشرع عن النقض ضبطا للأحكام عن الاضطراب ، لا احتراما للبينة المرجوحة . وهذا كما قلنا : إذا حكم الحاكم باجتهاده ثم تغير ، يعمل باجتهاد الثاني فيما يستقبل ، ولا ينقض ما حكم به أولا ، مع أنه كان عن اجتهاد تبين كونه مرجوحا ، فنسبة الاجتهاد الثاني إلى الأول في الرجحان كنسبة البينة الثانية إلى الأولى فيه ، واتصال الحكم بالمرجوح عاصم له من النقض . وقد ذكر أصحابنا في ترجيح أعدل البينتين على الأخرى ، والشاهدين على شاهد ويمين وجهين .

قوله : " ثم الفرق بينهما " ، أي : بين الأدلة والبينات ، هو " أن باب الشهادة مشوب بالتعبد " بدليل أن الشاهد " لو أبدل لفظ الشهادة بلفظ الإخبار " أو العلم فقال : أخبر أو أعلم مكان : أشهد ; " لم تقبل ، ولا تقبل شهادة جمع من النساء وإن كثرن " وبلغن ألوفا مؤلفة " على " يسير من المال ولو " باقة بقل " حتى [ ص: 682 ] يكون معهن رجل ، مع أن شهادة الجمع الكثير من النساء يجوز أن يحصل به العلم التواتري ، وما ذاك إلا لثبوت التعبد ، فجاز أن يكون عدم الترجيح فيها من ذلك " بخلاف الأدلة " ، إذ لا تعبد فيها ، والترجيح أمر مفيد معقول ، فلا مانع له من لحوقها ، والمقتضي موجود وهو وجوب الوصول إلى الحق بما يمكن من الظن أو العلم . فهذا جواب عما ذكره الباقلاني بوجهين ; التزام الحكم بالترجيح في البينات ، والفرق بينها وبين الأدلة على تقدير التسليم ، وأحسب أن هذا قول قال به الباقلاني ، ثم تركه ، إذ لا يظن بمثله الإصرار على مثل هذا القول مع ظهور ضعفه .

تنبيه : لو علم الحاكم يقينا خلاف ما شهدت به البينة ، فينبغي أن يتعين الحكم عليه بما علمه ، ويصير ذلك بمثابة منكر اختص بعلمه وهو قادر على إزالته ، بل هذا هو عين ذاك وصورة من صوره .

قوله : " ومورد الترجيح " - أي : الذي يرد عليه الترجيح - " إنما هو الأدلة الظنية من الألفاظ المسموعة " كنصوص الكتاب والسنة وظواهرها " والمعاني المعقولة " كأنواع الأقيسة والتنبيهات المستفادة من النصوص ، أما القواطع ، فلا يتصور التعارض فيها ، إذ أحد القاطعين المتقابلين يكون كذبا قطعا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث