الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة في الأولياء والصالحين والأقطاب والأبدال ورجال الغيب

[ ص: 34 ] مسألة: في الأولياء والصالحين والأقطاب والأبدال ورجال الغيب [ ص: 36 ] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين.

وسئل شيخ الإسلام ومفتي الأنام أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني رضي الله عنه:

عن الحديث المروي على ألسنة الناس: «ما من جماعة اجتمعوا إلا وفيهم ولي لله تعالى، لا هم يدرون به، ولا هو يدري بنفسه»، هل هو صحيح أم لا؟

ومن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟

ومن الصالح؟

وهل لرجال الغيب حقيقة؟ وهل ينبت الشعر على أبدانهم، فيستغنوا به في جميع أوقاتهم عن لبس الثياب، ويقيهم من الحر والبرد، ويستر عوراتهم، أم لا؟

وما معنى الأبدال والقطب؟ وهل يكونون في البراري والجبال، أم في المدن بين أظهر الناس؟ وهل لهم علامة يعرفون بها أم لا يعلمهم إلا الله عز وجل؟

أجاب شيخ الإسلام رضي الله عنه:

الحمد لله رب العالمين.

* أما الحديث المذكور أنه «ما من جماعة اجتمعوا إلا وفيهم ولي لله»، فلا أصل له، وهو كلام باطل; فإن الجماعة قد يكونون كفارا مشركين [ ص: 38 ] وكتابيين، وقد يكونون فساقا يموتون على الفسق.

* وأما أولياء الله عز وجل، فهم الموصوفون في قوله تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون [يونس: 62 – 63]، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون.

والتقوى هي المذكورة في قوله تعالى: ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون [البقرة: 177].

وهم قسمان: مقتصدون، ومقربون.

فالمقتصدون: الذين يتقربون إلى الله بالفرائض من أعمال القلوب والجوارح.

والسابقون: الذين يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، كما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى [ ص: 39 ] أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يسعى، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه».

والولي: خلاف العدو. وهو مشتق من الولاء، وهو الدنو والتقرب. [ ص: 40 ]

فولي الله: هو من والى الله بموافقته في محبوباته، والتقرب إليه بمرضاته.

وهؤلاء كما قال الله تعالى فيهم: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب [الطلاق: 2 – 3]، قال أبو ذر رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، لو عمل الناس كلهم بهذه الآية لكفتهم».

فالمتقون يجعل الله لهم مخرجا مما ضاق على الناس، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، فيدفع الله عنهم المضار، ويجلب لهم المنافع، ويعطيهم الله أشياء يطول شرحها من المكاشفات والتأثيرات.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث