الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
المقدمة الرابعة: أن أدوات الشرط وغيره من معاني الكلام قسمان:

منها: ما يسميه النحويون: «أم الباب»، وهو ما دل على الشرط أو الاستفهام ونحوهما دلالة مجردة من غير أن يدل على شيء آخر.

ومنها: ما يدل على الاستفهام أو الشرط ومعنى آخر.

فالأول في الشرط «إن»، فإنها تقتضي ربط الجزاء بالشرط، من غير أن تدل على ثبوت الشرط وانتفائه، ولا على حال من أحوال الشرط، من مكان أو زمان أو فاعل أو غير ذلك. فإذا قلت: إن قام زيد قام عمرو، لم يدل على أكثر من ارتباط هذا بهذا.

والثاني: سائر أدوات الشرط، فإن «متى» مثلا تدل على الاشتراط في الزمان، و «أينما» في المكان، و «من» في أعيان من يعلم، و «ما» في ما لا يعلم وفي صفات ما يعلم، ونحو ذلك مما هو معروف عند العالمين [ ص: 452 ] بتفاصيل لسان العرب.

فهذه الأدوات تدل على شيئين: على الشرط، وعلى حال في المشروط. وحرف «لو» من هذا الباب، لكن من وجه آخر، وهو الجواب الحاصل بعد تلك المقدمات.

فنقول: حرف «لو» المسؤول عنه، إذا قلت مثلا: «لو ردوا لعادوا»، يدل على شيئين:

أحدهما: أن الرد سبب مستلزم للعود.

وقولنا: «سبب»، و «ملزوم»، و «علة»، و «مقتضى»، عبارات متقاربة في هذا الموضع.

كما لو قيل: «إن ردوا عادوا»؛ فإن الاشتراط بـ «إن» يدل على أن الأول مستلزم للثاني.

المدلول الثاني: عدم الرد الذي هو السبب المستلزم.

وهذه خاصة «لو» التي انفردت بها عن «إن»؛ فإن «لو» تدل على تعلق الجزاء بالشرط، وعلى انتفاء الشرط، و «إن» تدل على التعلق فقط، من غير أن تدل على الشرط بنفي أو إثبات.

وهذا أمر مستقر في جميع مواردها، كما في قوله تعالى: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا [التوبة: 47]، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم [الأنفال: 23]، لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا [آل عمران: 156]، ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم [النساء: 46]، لو جاء زيد [ ص: 453 ] لجاء عمرو، لو زرتنا لأكرمناك، قول الشاعر:


لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

فإن «لو» مع ما ركبت معه تدل على الشرط والجزاء، وعلى انتفاء الشرط أيضا.

وهذا هو الذي قصده بعض النحويين حيث قال في حدها: «إنها حرف يدل على امتناع ما يلزم من وجوده وجود غيره»، وصدق في أن هذا من معناها؛ فإنها تدل على عدم الشرط الملزوم الذي يلزم من ثبوته ثبوت الجزاء الذي هو الجواب.

لكن قد يقال: معناها ليس هو مجرد الامتناع، بل هو التعليق والامتناع جميعا، وإنما هي دالة على الامتناع بالتضمن لا بالمطابقة.

وقد يقال: هي لا تدل على امتناع الشرط، وإنما تدل على عدمه، وليس كل معدوم ممتنع الوجود.

فهذه مناقشات لفظية، وإذا ظهر المعنى فلا عليك في ترك المناقشة اللفظية.

وإذا قيل: هي حرف شرط يدل على عدم الشرط، كان هذا منطبقا عليها في جميع مواردها. [ ص: 454 ]

ثم من هذا ينحل الإشكال المشهور، وذلك أن الشرط اللفظي الذي هو سبب معنوي إذا انتفى فإنه ينتفي ذلك المعلول المعين قطعا، وينتفي أيضا نوع المعلول إذا لم تخلفه علة أخرى، فإن خلفته علة أخرى لم ينتف النوع، بل قد يوجد منه غير ما انتفى، وقد يكون عدم إحدى العلتين دليلا على ثبوت المعلول؛ لدلالة عدمها على ثبوت العلة الأخرى، كما تقدم؛ لأن الحكم الواحد بالنوع قد تكون له علتان باتفاق العقلاء من الفقهاء وغيرهم.

فإذا كان أهل اللسان يفهمون من قولهم: «لو زرتنا لأكرمناك» أن الزيارة علة للإكرام، وأنها معدومة، فقد ينضم إلى هذه المقدمة السمعية مقدمة أخرى عقلية، وهو أن عدم العلة يدل على عدم المعلول، كما فصلناه.

فيعقلون من ذلك انتفاء ذاك الإكرام المعين، وقد يفهمون انتفاء الإكرام مطلقا إذا غلب على ظنهم أن لا سبب للإكرام إلا الزيارة، بالأصل النافي أو القرائن ونحوها من الدلائل.

التالي السابق


الخدمات العلمية