الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 196 ] باب ما يحرم وما يحل من نكاح الحرائر ومن الإماء ، والجمع بينهن ، وغير ذلك ، من الجامع من كتاب ما يحرم الجمع بينه ، ومن النكاح القديم ، ومن الإملاء ، ومن الرضاع

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي ، رحمه الله : " أصل ما يحرم به النساء ضربان أحدهما بأنساب ، والآخر بأسباب ، من حادث نكاح أو رضاع " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : المحرمات من النساء ضربان :

                                                                                                                                            أحدهما : ضرب حرمت أعيانهن على التأبيد ، وضرب حرم تحريم جمع ، فأما المحرمات الأعيان على التأبيد ، فضربان :

                                                                                                                                            أحدهما : بأنساب . والثاني : بأسباب .

                                                                                                                                            فأما المحرمات بالأنساب فالتجريم طارئ عليهن ، وقد نص الله عليهما في كتابه ، فنص على تحريم أربع عشرة امرأة : سبع منهن حرمن بأنساب ، وسبع منهن حرمن بأسباب .

                                                                                                                                            فأما السبع المحرمات بالأنساب فضربان :

                                                                                                                                            ضرب حرمن برضاع ، وضرب حرمن بنكاح ، وهن المذكورات في قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة [ النساء : 23 ] فذكر من المحرمات بالرضاع اثنتين ، ثم قال : وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف [ النساء : 23 ] وقال في آية أخرى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف [ النساء : 22 ] فذكر من المحرمات بالنكاح خمسا : أربع منهن تحريم تأبيد وخامسة تحريم جمع ، وهو الجمع بين الأختين ، فقدم الله تعالى ذكر السبع المحرمات بالأنساب لتغليظ حرمتهن ، وأن تحريمهن لم يتأخر عن وجودهن ، فأول من بدأ بذكرها الأم : لأنها أغلظ حرمة فحرمها بقوله : حرمت عليكم أمهاتكم واختلف أصحابنا في هذا التحريم المنصوص عليه إلى ماذا توجه ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قول الأكثرين : أنه متوجه إلى العقد والوطء معا .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أنه متوجه إلى العقد .

                                                                                                                                            فأما الوطء فمحرم بالعقل ، والأول من الوجهين أصح : لأن العقل لو أوجب تحريم [ ص: 197 ] وطئها لما منع أن يكون الشرع واردا به ومؤكدا له ، وإذا حرمت الأم ، فكذلك أمهاتها وإن علون من قبل الأم كأم الأم وجدتها ، ومن قبل الأب كأم الأب وجداته لكن اختلف أصحابنا هل حرمن بالاسم أو بمعناه ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : حرمن بالاسم ، قال الشافعي : لأن كلا تسمى أما .

                                                                                                                                            فعلى هذا يكون اسم الأم منطلقا على كل واحدة منهن حقيقة لغة وشرعا .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : حرمن لمعنى الاسم وهو وجود الولادة والعصبة فيهن ، فحرمن كالأم لاشتراكهما في المعنى دون حقيقة الاسم ، ويكون انطلاق اسم الأم عليهن مجازا في اللغة ، وحكما في الشرع .

                                                                                                                                            فلو أن رجلا وطئ أمه بعقد أو غير عقد ، حد حد الزنا .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : لا حد عليه ، وجعل العقد شبهة في إدرائه عنه .

                                                                                                                                            وهذا خطأ : لأن النص المقطوع به يمنع من دخول الشبهة عليه ، لا خروجه من أن يكون نصا قاطعا .

                                                                                                                                            والثاني من المحرمات : البنات ، فهن محرمات على الآباء ، وهل تناول النص فيهن تحريم العقد والوطء معا أم لا ؟ على ما ذكرنا من الوجهين ، ثم كذلك بنات البنات والأبناء ، وإن سفلن ، ثم على ما ذكرنا من الوجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : حرمن بالاسم ، قال الشافعي : لأن كلا يسمى بنتا .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : بمعنى الاسم من وجود الولادة والبعضية ، فلو أن رجلا وطئ بنته بعقد أو غير عقد ، حد ، وأدرأ أبو حنيفة عنه الحد بالعقد .

                                                                                                                                            والثالث من المحرمات : الأخوات ، فنكاحهن حرام ، وسواء كانت أختا لأب وأم ، أو أختا لأب ، أو أختا لأم ، وهي باسم الأخوات محرمات ، فلو وطئ رجل أخته نظر : فإن كان بعقد نكاح حد ، وإن كان بملك يمين ، ففي وجوب حده قولان :

                                                                                                                                            أحدهما : يحد كالنكاح .

                                                                                                                                            والثاني : لا يحد لوطئه بالملك ، فإن حد لوطئه بالنكاح لارتفاع النكاح ، فزالت الشبهة والملك ثابت فيها فثبتت شبهته ، والأمة تحد في وطئها بنكاح وملك : لأن ملكها يزول بشرائها ، وملك الأخت لا يزول ، وإن لم يثبت عليها العقد ويلحق به ولدها وإن ضر وتصير الأخت به أم ولد ، وليس يلحق ولد مع وجوب الحد إلا في هذا الموضع ، وهو إذا وطئ أخته من نسب أو رضاع ، فإن وطئ الذمي مسلمة على ملكه كان في حده قولان ، والولد لاحق به على القولين .

                                                                                                                                            والرابع من المحرمات : وهو أخوات الأب ، وسواء كن لأب وأم ، أو لأب ، أو لأم ، وكلهن محرمات بالاسم ، ثم عمات الأب والأم ، وعمات الأجداد والجدات ، كلهن محرمات كالعمات ، [ ص: 198 ] وهل حرمن بالاسم أو بمعناه ؟ على وجهين ، فإن وطئ إحداهن بعقد نكاح حد ، وإن كان بملك يمين فعلى القولين .

                                                                                                                                            والخامس من المحرمات : الخالات ، وهن أخوات الأم ، وسواء كن لأب وأم ، أو لأب ، أو لأم ، وكلهن محرمات بالاسم خالات الأب والأم ، ثم خالات الأجداد والجدات ، كلهن محرمات كالخالات ، وهل حرمن بالاسم أو بمعناه على الوجهين ، فإن وطئ إحداهن بعقد نكاح حد ، وإن كان بملك يمين فعلى القولين :

                                                                                                                                            والسادس من المحرمات : بنات الإخوة ، وسواء كان الإخوة لأب وأم ، أو لأب ، أو لأم ، وكلهن محرمات بالاسم ، ثم بنات بني الإخوة ، وبنات بنات الإخوة ، وإن سفلن ، كلهن محرمات كبنات الإخوة ، وهل حرمن بالاسم أو بمعناه على الوجهين ، فإن وطئ واحدة منهن بعقد نكاح حد ، وإن كان بملك يمين فعلى القولين :

                                                                                                                                            والسابع من المحرمات : بنات الأخوات ، سواء كانت الأخوات لأب وأم ، أو لأب ، أو لأم ، وكلهن محرمات بالاسم ، وكذلك بنات بني الأخوات ، وإن سفلن ، كلهن محرمات كبنات الأخوات ، وهل حرمن بالاسم أو بمعناه على الوجهين ، والولد يلحق في هذه المواضع ، إذا كان الوطء بملك يمين .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية