الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام الآمدي في خطبة أبكار الأفكار

وإيضاح هذا بالكلام على عبارة الآمدي حيث قال: "هذا إشكال مشكل، وربما يكون عند غيري حله"، مع أنه يعظم ما يتكلم فيه [ ص: 182 ] من الكلام والفلسفة، ويقول في خطبة كتابه "أبكار الأفكار" ما تقوله الفلاسفة من: "أنه لما كان كمال كل شيء وتمامه بحصول كمالاته الممكنة له، كان كمال النفس الإنسانية بحصول ما لها من الكمالات، وهي الإحاطة بالمعقولات، والعلم بالمجهولات، ولما كانت العلوم متكثرة، والمعارف متعددة، وكان الزمان لا يتسع لتحصيل جملتها، مع تقاصر الهمم وكثرة القواطع، كان الواجب السعي في تحصيل أكملها، والإحاطة بأفضلها، تقديما لما هو الأهم فالأهم، وما الفائدة في معرفته أتم، ولا يخفى أن أولى ما تترامى إليه بالبصر أبصار البصائر، [ ص: 183 ] وتمتد نحوه أعناق الهمم والخواطر، ما كان موضوعه أجل الموضوعات، وغايته أشرف الغايات، وإليه مرجع العلوم الدينية، ومستند النواميس الشرعية، وبه صلاح العالم ونظامه، وحله وإبرامه، والطرق الموصلة إليه يقينيات، والمسالك المرشدة نحوه قطعيات.

وذلك هو العلم الملقب بعلم الكلام، الباحث في ذات واجب الوجود، وصفاته وأفعاله، ومتعلقاته، ولما كنا مع ذلك قد حققنا أصوله، ونقحنا فصوله، وأحطنا بمعانيه، وأوضحنا مبانيه، وأظهرنا أغواره، وكشفنا أسراره، وفزنا فيه بقصب سبق الأولين، وحزنا غايات أفكار المتقدمين والمتأخرين، واستنزعنا منه خلاصة الألباب، وفصلنا القشر عن اللباب، سألني بعض الأصحاب، [ ص: 184 ] والفضلاء من الطلاب، جمع كتاب حاو لمسائل الأصول، جامع لأبكار أفكار العقول.

وذكر تمام الكلام، فهو مع هذا الكلام، ومع ما في كلامه من ذكر مباحث أهل الفلسفة والكلام، يذكر مثل هذا السؤال المشكل الوارد على طريقة معرفة واجب الوجود، الذي لم يذكر طريقا سواه، ويذكر أنه مشكل وليس عنده حله، ولكن من عدل عن الطرق الصحيحة الجلية، القطعية، القريبة البينة، إلى طرق طويلة بعيدة، لم يؤمن عليه مثل هذا الانقطاع، كما قد نبه العلماء على ذلك غير مرة، وذكروا أن الطرق المبتدعة إما أن تكون مخطرة لطولها ودقتها، وإما أن تكون فاسدة. ولكن من سلك الطريق المخوفة، وكانت طريقا صحيحة، فإنه يرجى له الوصول إلى المطلوب.

ولكن لما فعل هؤلاء ما فعلوا، وصاروا يعارضون بمضمون طرقهم [ ص: 185 ] صحيح المنقول وصريح المعقول، ويدعون أن لا معرفة إلا من طريقهم، أو لا يكون عالما كاملا إلا من عرف طريقهم، احتيج إلى تبين ما فيها دفعا لمن يحارب الله ورسوله، ويسعى في الأرض فسادا، وبيانا للطرق النافعة غير طريقهم، وبيانا لأن أهل العلم والإيمان عالمون بحقائق ما عندهم، ليسوا عاجزين عن ذلك، ولكن من كان قادرا على قطع الطريق، فترك ذلك إيمانا واحتسابا، وطلبا للعدل والحق، وجعل قوته في الجهاد في أعداء الله ورسوله، كان خيرا ممن جعل ما أوتيه من القوة فيما يشبه قطع الطريق: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون [ ص: 186 ] أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين [سورة البقرة: 11- 19].

فإن الهدى الذي بعث الله به رسوله، لما كان فيه معنى الماء الذي يحصل به الحياة، ومعنى النور الذي يحصل به الإشراق، ذكر هذين المثلين، كما قال تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [سورة الأنعام 122] وكما ضرب المثل بهذا وهذا في قوله تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال [سورة الرعد: 17]. وقال تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا [سورة النساء: 60 – 63].

ومن أعظم المصائب أن يصاب الإنسان فيما لا سعادة له ولا نجاة له [ ص: 187 ] إلا به، ويصاب في الطريق الذي يقول إنه به يعرف ربه، ويرد عليه فيه إشكال لا ينحل له، مع أنه من أكبر رؤوس طوائف أهل الكلام والفلسفة، بل قد يقال: إنه لم يكن فيهم في وقته مثله.

والمقصود هنا ذكر عبارته في الإشكال الذي أورده، وهو قوله: "ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود، ويكون ترجحها بترجح آحادها، وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير نهاية".

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث