الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوجه الخامس

الوجه الخامس: أن يقال: مجموع الموجود المتضمن للواجب [ ص: 214 ] لا يقبل العدم وما لا يقبل العدم فليس بممكن، وما ليس بممكن فهو واجب، فالمجموع حينئذ واجب، وما كان واجبا لم يفتقر إلى أمر من الأمور. وقولك: إن المجموع مفتقر إلى المجموع هو معنى قول القائل: إنه واجب بنفسه، فإن الواجب بنفسه لا يستغني عن نفسه، بل لا بد له من نفسه، وإذا كنت قد أقررت أنه واجب بنفسه بطل قولك: إنه يفتقر إلى أمر. وهذا بخلاف مجموع العلل الممكنة، فإنه لا يمكن أن يكون واجبا بنفسه لأنه ليس فيها ما هو موجود بنفسه، وإذا لم يكن في المجموع ما هو موجود بنفسه كان امتناع المجموع أن يكون واجبا بنفسه أولى وأحرى.

وهذا السؤال الذي أورده هذا من جنس السؤال الذي أورده الآمدي، بل هو هو، ولعل أحدهما أخذه من الآخر، وهو أن تكون الجملة مترجحة بالآحاد، وكل منها مترجح بالآخر إلى غير نهاية، وأجاب عنه الآمدي في أحد كتابيه، وقال في الآخر: إنه لا يعرف عنه جوابا، وذكر عن قوم أنهم قالوا: المجموع واجب بنفسه بهذا الاعتبار، واستفسط هذا الاعتراض.

ومقصود الجميع أن مجموع المعلولات التي لا تتناهى لا تفتقر إلى شيء غير آحادها المتعاقبة، وفساد هذا معلوم بالاضطرار بعد جودة التصور، وإنما أشكل على من أشكل لعدم التصور التام، فإنه إذا قال القائل: علل [ ص: 215 ] لا تتناهى، أو ممكنات لا تتناهى، كل منها مترجح أو معلول بالآخر، توهم الذهن أن هذا يتضمن تقدير موجودات في الخارج، كل منها معلول الموجود الآخر، وأن الأمر هكذا إلى غير نهاية.

ولهذا أراد طائفة أن يبطلوا هذا التسلسل بجنس ما يبطلون به الآثار التي لا تتناهى، كالحركات التي لا تتناهى، وهذا غلط، فإن المقدر هو أمور ليس فيها ما يوجد بنفسه، بل لا يوجد إلا بعلة مباينة له موجودة، وكلها بهذه المثابة إلى غير نهاية.

وهذا في الحقيقة تقدير معدومات بعضها علة لبعض في وجوده إلى غير نهاية من غير أن يوجد شيء منها. وكما أن المعدوم إذا قدر أنه معلل بعلل معدومة إلى غير نهاية، مع أنه لم يوجد ولم يوجد شيء منها كان باطلا، وإن قدر وجوده مع ذلك كان جمعا بين النقيضين، وإذا كان تقدير معلول معدوم بعلة معدومة تقتضي وجوده ولم يوجد ممتنع في بديهة العقل من جهة أنه لم يوجد، ومن جهة أن علته ليست موجودة، فكثرة هذه العلل أولى بالامتناع، وتسلسلها إلى غير نهاية أعظم وأعظم في الامتناع، فكذلك إذا قدر ما هو معلول ممكن لا يوجد إلا بموجد يوجده، وقدر أنه ليس هناك موجود يوجده، فإن وجوده يكون ممتنعا، فإن قدر موجودا كان [ ص: 216 ] جمعا بين النقيضين. وتسلسل هذه المعلولات من غير أن تنتهي إلى موجود بنفسه أعظم في الامتناع، لكن من توهم أنها موجودات متسلسلة التبس عليه الأمر، وتقدير كونها موجودات متسلسلة ممتنع في نفسه، بل هو جمع بين النقيضين، لأن التقدير أنه ليس فيها ما يوجد بنفسه، ولا يوجد إلا بموجد موجود، وإذا لم يكن فيها موجود بنفسه ولا موجد موجود امتنع أن يكون فيها إلا معدوم، فتقدير وجودها جمع بين النقيضين.

وبيان ذلك أن كلا منها هو مفتقر إلى موجد يوجده، فلا يوجد بنفسه، وعلته لم توجد بنفسها، فليس فيها موجود بنفسه، وليس هنا علة موجودة بنفسها. فإذا قدر في كل منها أنه موجود بغيره، فذلك الغير هو بمنزلته أيضا لا وجود له من نفسه، فليس هناك موجود يوجدها إلا ما يقدر منها، وكل منها إذا لم يكن له من نفسه وجود فأن لا يكون موجدا لغيره بطريق الأولى والأحرى، فلا له من نفسه وجود ولا إيجاد، وغيره من جنسه ليس له من نفسه وجود ولا إيجاد، فمن أين يكون لشيء منها وجود بلا وجود لنفسه ولا إيجاد؟ إذ الإيجاد فرع الوجود.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث