الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يمكن إيراد الجواب على وجوه

وهذا الجواب يمكن إيراده على وجوه:

الوجه الأول: أن يقال: إما أن يقدر ثبوت الواجب في نفسه، وإما أن يقدر انتفاؤه، فإن قدر ثبوته في نفس الأمر حصل المقصود، وامتنع أن يكون في نفس الأمر ما ينفي وجوده، وإن قدر انتفاؤه لزم بطلان الاعتراض المذكور على دليل ثبوته، وإذا بطل الاعتراض كان الدليل المذكور على ثبوته سليما عما يعارضه، فيجب ثبوت مدلوله، وهو الواجب الوجود، فلزم ثبوت وجود، سواء قدر المعترض ثبوته أو قدر انتفاءه، وما [ ص: 225 ] لزم ثبوته -على تقدير ثبوته وتقدير انتفائه- كان ثابتا في نفس الأمر قطعا، وهو المطلوب.

فإن قيل: كيف يمكن تقدير ثبوته مع تقدير انتفائه، وفي ذلك جمع بين النقيضين؟

قيل: نعم هذا لأن تقدير انتفائه لما كان ممتنعا في نفس الأمر، جاز أن يلزمه ما هو ممتنع في نفس الأمر، وهذا مما يقرر ثبوته.

وأيضا فإذا كان تقدير انتفائه يستلزم الجمع بين النقيضين، كان تقديرا ممتنعا في نفس الأمر، ويكون تقدير انتفائه ممتنعا في نفس الأمر، وإذا كان انتفاؤه ممتنعا كان ثبوته واجبا، وهو المطلوب.

فإن قيل: إذا كان انتفاؤه في نفس الأمر ممتنعا قطعا، وكان بطلان الاعتراض معلقا بانتفائه لم يلزمه بطلان الاعتراض. وإذا صح الاعتراض بطل الدليل المذكور.

قلنا: تقدير انتفائه هو جزء الدليل على بطلان الاعتراض، ليس هو بطلان الاعتراض، ومن المعلوم أن انتفاء الدليل لا يوجب انتفاء ما دل عليه في نفس الأمر، فإن الدليل لا يجب عكسه، فلو كان انتفاؤه بنفس الأمر وحده دليلا على بطلان الاعتراض، لم يلزم صحة الاعتراض بتقدير نقيض هذا الدليل، فكيف إذا كان جزء دليل. [ ص: 226 ]

فإن قيل: بطلان جزء الدليل يوجب بطلان الدليل، فيبطل ما ذكر من الدليل على فساد الاعتراض.

قيل: لفظ جزء الدليل مجمل، فإن أريد بالجزء قسم من الأقسام المقدرة كان هذا باطلا، فإنه لا يلزم من بطلان قسم في الأقسام المقدرة بطلان الدليل إذا كان غيره من الأقسام صحيحا، وإن أريد بجزء الدليل مقدمة من مقدماته فهذا صحيح، فإنه إذا بطلت مقدمة الدليل بطل، لكن مقدمة الدليل هنا صحيحة، فإنها تقسيم دائر بين النفي والإثبات، ومن المعلوم أن التقسيم الدائر بين النقيضين يستلزم بطلان أحد القسمين في نفس الأمر، ومقدمة الدليل ليست اجتماع النقيضين، فإن هذا ممتنع، وإنما هي صحة التقسيم إلى النفي والإثبات.

والمقدمة الثانية حصول المطلوب على كل من التقديرين، فإذا كان التقسيم دائرا بين النفي والإثبات، والمطلوب حاصل على كل منهما، ثبت حصوله في نفس الأمر، وإن كان أحد القسمين منتفيا في نفس الأمر، فإن المطلوب حاصل على التقدير الآخر، فلا يضر انتفاء هذا التقدير، وإنما ذكرت هذه التقديرات ليتبين أن ما ذكره المعترض لا يقدح في صحة الدليل المذكور على واجب الوجود، بل الدليل صحيح على تقدير النقيضين، وهذا من أحسن الدورات في النظر والمناظرة لإبطال الاعتراضات الفاسدة، بمنزلة عدو قدم يريد محاربة [ ص: 227 ] الحجيج، وهناك عدة طرق يمكن أن يأتي من كل منها، فإذا وكل بكل طريق طائفة يأخذونه كان من المعلوم أن الذي يصادفه طائفة، ولكن إرسال تلك الطوائف ليعلم أنه منع المحذور على كل تقدير، إذ كان من الناس من هو خائف أن يأتي من طريقه، فيرسل من يزيل خوفه ويوجب أمنه.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث