الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

جريان القياس في النفي

[ ص: 453 ] والنفي ضربان : أصلي : فيجري فيه قياس الدلالة ، وهو الاستدلال بانتفاء حكم شيء على انتفائه عن مثله ، فيؤكد به الاستصحاب ، لا قياس العلة ، إذ لا علة قبل ورود السمع .

وطارئ : كبراءة الذمة من الدين ، فيجري فيه القياسان ، لأنه حكم شرعي كالإثبات ، والله سبحانه أعلم .

التالي السابق


قوله : " والنفي ضربان : أصلي " إلى آخره . أي : النفي إما أصلي أو طارئ ، فالأصلي ما لم يتقدمه ثبوت ، كنفي صلاة سادسة ، ونفي صوم شهر غير رمضان ونحو ذلك ، فهذا " يجري فيه قياس الدلالة " دون قياس العلة ، والفرق بينهما أن الاستدلال ممكن موجود قبل ورود الشرع ، ولهذا أمكن النظر والاستدلال قبل الشرع ، لأنها من آثاره وأحكامه فلا يتصور وجودها قبله ، والمراد بقياس الدلالة هاهنا " هو الاستدلال بانتفاء " الحكم في " شيء على انتفائه عن مثله " أو بعدم انتفاء خواص الشيء على عدمه . مثال الأول أن يقال : إنما لم يجب الفعل الفلاني لأن فيه مفسدة خالصة أو راجحة ، وهذا الفعل الآخر مشتمل على مثل ذلك ، فينبغي أن لا يجب .

مثاله : إنما لم تجب صلاة سادسة وحج ثان في العمر ، لما فيه من المفسدة في نظر الشارع ، ووجوب صوم شهر ثان ، أو وجوب ستة أيام من [ ص: 454 ] شوال فيه مثل تلك المفسدة ، فينبغي أن لا يجب ، فهذا قياس لأحد الحكمين على الآخر في الانتفاء بالاستدلال بجامع ما اشتملا عليه من المفسدة .

مثال الثاني ، وهو الاستدلال بانتفاء الخواص أن يقال : ترتيب الوعيد من خواص الوجوب ، وهو منتف في صلاة الوتر والضحى ، وصوم أيام البيض ، فلا تكون واجبة .

وقولنا : " فيؤكد به الاستصحاب " أي : إن هذا الانتفاء مستغن باستصحاب دليل العقل النافي عن دليل ، وهذا الاستدلال المذكور عليه إنما وقع مؤكدا لاستصحاب حال النفي الأصلي حتى لو لم يوجد هذا الاستدلال على نفي وجوب الصلاة السادسة ، لكان النفي الأصلي مستقلا بنفي وجوبها .

أما قياس العلة ، فلا يتصور في هذا ، لما سبق ، ولأن العلة إنما تكون لما يتجدد بعد عدمه ، وهذا النفي ثابت بالأصالة ، فلا علة له إلا إرادة البارئ جل جلاله عدم متعلقه ، وهو النفي; بمعنى أنه لم يرد إيجاده لكن ذلك لا يصلح أن تعلل به الأحكام الشرعية .

وأما النفي الطارئ ، أي : الحادث المتجدد بعد عدمه ، " كبراءة الذمة من الدين " بعد ثبوته فيها ، " فيجري فيه القياسان " : قياس الدلالة ، وقياس العلة ، " لأنه حكم شرعي " فهو " كالإثبات " الشرعي ، وذلك لأن النفي الطارئ بالشرع له خواص يستدل بانتفائها على انتفائه ، وآثار يستدل بوجودها على وجوده ، وكذلك له علل وأسباب يعلل بها ، ويلحق به ما شاركه فيها .

[ ص: 455 ] مثال الأول - وهو قياس الدلالة في النفي الطارئ - أن يقول : من خواص براءة الذمة من الدين أن لا يطالب به بعد أدائه ، ولا يرتفع إلى الحاكم ، ولا يحبس به ، ولا يحال به عليه ونحو ذلك ، وكل هذه الخواص موجودة ، فدل على وجود براءة الذمة ، كما نقول : من خواص الملك المطلق جواز بيعه وهبته والتصدق والوصية به . وقد انتفت بالعين المغصوبة بالنسبة إلى الغاصب ، فدل على عدم ملكه لها ، وثبت بالنسبة إلى المغصوب منه في الجملة ، فدل على ثبوت ملكه لها .

ومثال الثاني - وهو قياس العلة في النفي الطارئ - أن يقال : علة براءة الذمة من دين الآدمي هو أداؤه ، والعبادات هي دين لله - عز وجل - ، فليكن أداؤها علة البراءة منها .

وقد دل على صحة هذا القياس قوله - عليه الصلاة والسلام - : فدين الله أحق بالقضاء .

ولو قال قائل : إن الحوالة بالدين على مليء علة لبراءة ذمة المحيل منه ، فلتكن الإحالة بدين الله - عز وجل - علة لبراءة ذمة المكلف منها حتى تجوز استنابة المكلف غيره في أداء الفرائض الواجبة عنه ، كالصلاة المكتوبة وصوم رمضان ، وحج الفرض ونحوه; لكان هذا قياسا صحيحا في الجملة . وقد ظهرت صحته في جواز الاستنابة في دفع الزكاة ، وفروض الكفايات ، وصوم النذر عن الأموات ، وحج التطوع ، ونحوه من القرب . وإن أدى [ ص: 456 ] اجتهاد مجتهد إلى طرد القياس في بقية الواجبات ، وأمكن أن يأتي بدليل أو شبهة يعذر بها المجتهد ، كان له طرده ، لكن المشهور بين الأمة أن فروض الأعيان لا تقبل الاستنابة فيها ، ولا الحوالة بها على غير من خوطب بفعلها ، وليس ذلك لفساد القياس المذكور في نفسه ، بل لفوات شرطه ، وهو أن الحوالة إنما تنقل الحق ، وتبرأ بها ذمة المحيل بشرط رضى صاحب الحق عند بعض أهل العلم ، وذلك غير معلوم من الله تعالى أنه رضي بنقل حقه ، بل ربما كان المعلوم عدم رضاه لتوجه النصوص القاطعة إلى كل مكلف بعينه بأداء ما خوطب به .

وأما من لا يشترط رضى صاحب الحق في الحوالة ، فيمنع صحة القياس المذكور لقيام الفارق ، وهو أن حق الآدمي المقصود منه أداؤه ، لا تعبد عين المؤدي له به ، فيقوم غيره مقامه في ذلك ، بخلاف حق الله - عز وجل - فإن المعتبر فيه أمران : أداؤه وتعبد المكلف به عينا ، وهو أعم الأمرين . فلهذا لم يصح أداؤه بنائب ، ولهذا لما لم يكن المقصود من فرض الكفاية تعبد الأعيان به ، قام البعض فيه مقام البعض ، فهذا مقصود الكلام على لفظ " المختصر " .

وأشار القرافي في " مختصره " إلى أن في دخول القياس في النفي الأصلي أقوالا ثالثها المذكور في " المختصر " وهو دخول قياس الاستدلال فيه دون قياس العلة ، وهو المذكور في " المستصفى " و " الروضة " وقد ذكرت توجيهه .

[ ص: 457 ] أما حجة الجواز مطلقا ، فقد سبقت في أثناء ذلك ، وهو أن يستدل بانتفاء خواص ذلك الفعل على انتفائه في قياس الاستدلال ، أو يقال : إنما لم يجب الفعل الفلاني لتضمنه مفسدة كذا . وهذا الفعل يتضمن مثل تلك المفسدة ، فلا يجب فيه قياس العلة .

وحجة المنع مطلقا قد أشير إليها أيضا ، وهو أن النفي الأصلي ثابت مستمر بذاته ، فيستحيل إثباته بغيره من استدلال أو علة ، لأنه إثبات الثابت وهو تحصيل الحاصل .

والجواب : أما الاستدلال ، فقد بينا أنه مؤكد للنفي الأصلي ، لا مثبت له .

وأما العلة ، فقد بينا أنه يمكن فهمنا بالقياس إلى حكمة الشرع ، فنعديها إلى ما ساوى النفي الذي استفيدت منه ، كقولنا : إنما لم يبح السم ، لأنه مضر بالأبدان ، مفوت لحقوق الله - عز وجل - منها ، ثم تعدى ذلك إلى كل مضر بالبدن ، مفوت للعبادة منه ، كقتل النفس ونحوه ، وهذا قياس صحيح مفيد لو لم يرد النص بمقتضاه ، لصح إثبات الحكم به ، وقد استرسلت في هذه المسألة وأطلت فيها طلبا للكشف عنها ، إذ تصورها وتركيب أمثلتها من المشكلات عند كثير من الناس خصوصا المبتدئ في هذا العلم ، والله تعالى أعلم بالصواب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث