الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          ( خلط ) ( هـ ) في حديث الزكاة لا خلاط ولا وراط الخلاط مصدر : خالطه يخالطه مخالطة وخلاطا . والمراد به أن يخلط الرجل إبله بإبل غيره ، أو بقره أو غنمه ليمنع حق الله منها ويبخس المصدق فيما يجب له ، وهو معنى قوله في الحديث الآخر لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة أما الجمع بين المتفرق فهو الخلاط . وذلك أن يكون ثلاثة نفر مثلا ، ويكون لكل واحد أربعون شاة ، وقد وجب على كل واحد منهم شاة ، فإذا أظلهم المصدق جمعوها لئلا يكون عليهم فيها إلا شاة واحدة . وأما تفريق المجتمع فأن يكون اثنان شريكين ، ولكل واحد منهما مائة شاة وشاة ، فيكون عليهما في ماليهما ثلاث شياه ، فإذا أظلهما المصدق فرقا غنمهما ، فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة واحدة . قال الشافعي : الخطاب في هذا للمصدق ولرب المال . قال : والخشية خشيتان : خشية الساعي أن تقل الصدقة ، وخشية رب المال أن يقل ماله ، فأمر كل واحد منهما أن لا يحدث في المال شيئا من الجمع والتفريق . هذا على مذهب الشافعي ، إذ الخلطة مؤثرة عنده . أما أبو حنيفة فلا أثر لها عنده ، ويكون معنى الحديث نفي الخلاط [ ص: 63 ] لنفي الأثر ، كأنه يقول : لا أثر للخلطة في تقليل الزكاة وتكثيرها .

                                                          ( هـ ) ومنه حديث الزكاة أيضا وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية الخليط : المخالط ، ويريد به الشريك الذي يخلط ماله بمال شريكه . والتراجع بينهما هو أن يكون لأحدهما مثلا أربعون بقرة وللآخر ثلاثون بقرة ، ومالهما مختلط ، فيأخذ الساعي عن الأربعين مسنة ، وعن الثلاثين تبيعا ، فيرجع باذل المسنة بثلاثة أسباعها على شريكه ، وباذل التبيع بأربعة أسباعه على شريكه ، لأن كل واحد من السنين واجب على الشيوع ، كأن المال ملك واحد . وفي قوله : بالسوية . دليل على أن الساعي إذا ظلم أحدهما فأخذ منه زيادة على فرضه فإنه لا يرجع بها على شريكه ، وإنما يغرم له قيمة ما يخصه من الواجب دون الزيادة . وفي التراجع دليل على أن الخلطة تصح مع تمييز أعيان الأموال عند من يقول به .

                                                          ( هـ ) وفي حديث النبيذ أنه نهى عن الخليطين أن ينبذا يريد ما ينبذ من البسر والتمر معا ، أو من العنب والزبيب ، أو من الزبيب والتمر ونحو ذلك مما ينبذ مختلطا . وإنما نهى عنه لأن الأنواع إذا اختلفت في الانتباذ كانت أسرع للشدة والتخمير .

                                                          والنبيذ المعمول من خليطين ، ذهب قوم إلى تحريمه وإن لم يسكر أخذا بظاهر الحديث ، وبه قال مالك وأحمد . وعامة المحدثين قالوا : من شربه قبل حدوث الشدة فيه فهو آثم من جهة واحدة ، ومن شربه بعد حدوثها فهو آثم من جهتين : شرب الخليطين وشرب المسكر . وغيرهم رخص فيه وعللوا التحريم بالإسكار .

                                                          وفيه ما خالطت الصدقة مالا إلا هلكته قال الشافعي : يعني أن خيانة الصدقة تتلف المال المخلوط بها . وقيل : هو تحذير للعمال عن الخيانة في شيء منها . وقيل هو حث على تعجيل أداء الزكاة قبل أن تختلط بماله .

                                                          وفي حديث الشفعة الشريك أولى من الخليط ، والخليط أولى من الجار الشريك : المشارك في الشيوع ، والخليط : المشارك في حقوق الملك كالشرب والطريق ونحو ذلك .

                                                          ( س ) وفي حديث الوسوسة رجع الشيطان يلتمس الخلاط أي يخالط قلب المصلي بالوسوسة .

                                                          [ ص: 64 ] ( س ) ومنه حديث عبيدة وسئل ما يوجب الغسل ؟ قال : الخفق والخلاط أي الجماع ، من المخالطة .

                                                          ( س ) ومنه خطبة الحجاج ليس أوان أوان يكثر الخلاط يعني السفاد .

                                                          وفي حديث معاوية أن رجلين تقدما إليه فادعى أحدهما على صاحبه مالا ، وكان المدعي حولا قلبا مخلطا مزيلا المخلط بالكسر الذي يخلط الأشياء فيلبسها على السامعين والناظرين .

                                                          وفي حديث سعد وإن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ، ما له خلط أي لا يختلط نجوهم بعضه ببعض لجفافه ويبسه ، فإنهم كانوا يأكلون خبز الشعير وورق الشجر لفقرهم وحاجتهم .

                                                          ومنه حديث أبي سعيد كنا نرزق تمر الجمع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخلط من التمر : أي المختلط من أنواع شتى .

                                                          وفي حديث شريح جاءه رجل فقال : إني طلقت امرأتي ثلاثا وهي حائض ، فقال : أما أنا فلا أخلط حلالا بحرام أي لا أحتسب الحيضة التي وقع فيها الطلاق من العدة ، لأنها كانت له حلالا في بعض أيام الحيضة وحراما في بعضها .

                                                          وفي حديث الحسن يصف الأبرار وظن الناس أن قد خولطوا وما خولطوا ، ولكن خالط قلبهم هم عظيم يقال : خولط فلان في عقله مخالطة : إذا اختل عقله .

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية