الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ولو ) ( اتهمها ) أي زوجته ( بسرقة فقال ) لها ( إن لم تصدقيني ) في أمر هذه السرقة ( فأنت طالق فقالت ) كلامين أحدهما ( سرقت ) والآخر ( ما سرقت ) ( لم تطلق ) لأنها صادقة في أحدهما ، فإن قال إن لم تعلميني بالصدق لم يتخلص بذلك ( ولو ) ( قال ) لها ( إن لم تخبريني ) صادقة ( بعدد حب هذه الرمانة قبل كسرها ) فأنت طالق ( فالخلاص ) من اليمين ( أن تذكر ) له ( عددا يعلم أنها ) أي الرمانة ( لا تنقص عنه ) عادة كمائة ( ثم تزيد واحدا حتى تبلغ ما تعلم أنها لا تزيد عليه ) عادة ليدخل عددها في جملة ما أخبر به بعينه ولا ينافيه قولهم لا يعتبر في الخبر صدق فلو قال إن أخبرتني بقدوم زيد فأخبرته به كاذبة طلقت . قال البلقيني : لأن ما وقع معدودا أو مفعولا كرمي حجر لا بد فيه من الإخبار بالواقع بخلاف محتمل الوقوع وعدمه كالقدوم يكفي فيه مطلق الإخبار ، ولأن المفهوم من الإخبار بالعدد التلفظ بذكر العدد الذي فيه الرمانة ولا يحصل إلا بذلك ( والصورتان ) في السرقة والرمانة ( فيمن لم يقصد تعريفا ) أي تعيينا ، فإن قصده لم يتخلص بذلك لأنه لا يحصل به . قال بعضهم : ولو وضع شيئا وسها عنه ثم قال لها ولا علم لها به إذا لم تعطنيه فأنت طالق ثلاثا ثم تذكر موضعه فرآه فيه لم تطلق ، بل لا تنعقد يمينه لأنه بان أنه حلف على مستحيل هو إعطاؤه ما لم تأخذه ولم تعلم محله فهو كلا أصعد السماء بجامع أنه في هذه منع نفسه مما لم يمكنه فعله وهنا حث على ما لا يمكن فعله انتهى وهو غير ظاهر .

                                                                                                                            أما قوله بل لا تنعقد يمينه فممنوع بل هي منعقدة . وأما قياسه بلا أصعد السماء فممنوع بل نظير ذلك إذا لم تصعدي [ ص: 48 ] السماء وحكمه الحنث حالا ، ونظيره هنا الحنث باليأس وهو حاصل في هذا التصوير بمضي لحظة يمكنها فيه ولم تعطه ، أما البشارة فمختصة بالخبر الأول الصدق السار قبل الشعور فإذا قال لنسائه من بشرتني منكن فهي طالق فأخبرته واحدة بذلك ثانيا بعد إخبار غيرها أو كان غير سار بأن كان بسوء أو وهي كاذبة أو به من غيرهن لم تطلق لعدم وجود الصفة . نعم محل اعتبار كونه سارا إذا أطلق كقوله من بشرتني بخبر أو أمر عن زيد ، فإن قيد كقوله من بشرتني بقدوم زيد فهي طالق اكتفى بصدق الخبر وإن كان كارها كما قاله الماوردي ، ولو قال لزوجته إن لم تعدي جوز هذه الشجرة اليوم فأنت طالق وجب أن تبدأ من الواحد وتزيد حتى تنتهي إلى العلم بما ذكر فيما يظهر لأنها إذا لم تبدأ بالواحد لم تعد جوزها ، وقيل يتخلص من الحنث بأن تفعل ما ذكر آنفا أو سقط حجر من علو فقال إن لم تخبريني بمن رماه حالا فأنت طالق ولم يرد تعيينا فقالت مخلوق لا آدمي لم يحنث لأنها صادقة بالإخبار ولم يتخلص من الحنث بقولها رماه آدمي لجواز أن يكون رماه كلب أو ريح أو نحوهما لوجود سبب الحنث وشككنا في المانع ، وشبه بما لو قال أنت طالق إلا أن يشاء زيد اليوم فمضى اليوم ولم تعرف مشيئته ، أو قال لها إن لم أقل كما تقولين فأنت طالق فقالت له أنت طالق ثلاثا فخلاصه من الحنث أن يقول أنت طالق ثلاثا إن شاء الله أو أنت طالق ثلاثا من وثاق أو أنت قلت أنت طالق ثلاثا إن شاء الله أو علق طلاقها أو هي في ماء جار بالخروج منه ، وباللبث بأن قال لها إن خرجت منه فأنت طالق وإن شئت فيه فأنت طالق لم تطلق خرجت أو لبثت لأنه بجريانه يفارقها .

                                                                                                                            فإن قال لها ذلك وهي في ماء راكد فخلاصه من الحنث أن تحمل منه فورا أو إن أرقت ماء هذا الكوز فأنت طالق وإن شربته أو غيرك فأنت طالق ثم إن تركته فأنت طالق ، قبلت به خرقة وضعتها فيه أو بلتها ببعضه أو شربت هي أو غيرها بعضه لم تطلق ، أو إن خالفت أمري فأنت طالق فخالفت نهيه كلا تقومي فقامت لم تطلق كما جزم به ابن المقري في روضه لأنها خالفت نهيه دون أمره . قال في الروضة : وفيه نظر للعرف [ ص: 49 ] أو إن خالفت نهيي فأنت طالق فخالفت أمره كقومي فرقدت طلقت كما جزم به أيضا لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده قال في أصل الروضة : وهذا فاسد إذا ليس الأمر بالشيء نهيا عن ضده فيما نختاره .

                                                                                                                            وإن كان : أي نهيا عمل ضده فاليمين لا تبنى عليه بل على اللغة والعرف . قال الوالد رحمه الله تعالى : وإنما لم يجعلوا مخالفتها نهيه مخالفة لأمره بخلاف عكسه ، لأن المطلوب بالأمر الإيقاع وبمخالفتها نهيه حصل الإيقاع لا تركه ، والمطلوب بالنهي الكف : أي الانتهاء وبمخالفتها أمره ما لم تنكف ولم تنته لإتيانها بضد مطلوبه والعرف شاهد لذلك .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : فإن قال إن لم تعلميني بالصدق ) أي وأراد ذلك كما هو الظاهر ا هـ سم على حج ( قوله : صادقة ) لا حاجة إلى هذا القيد مع ما نقله عن البلقيني ، بل هو مضر لاقتضائه أنه لو أسقط صادقة بر بإخبارها مطلقا وهو خلاف ما يأتي ( قوله كمائة ) أي أما لو قال إن لم تعدي هذه الرمانة فلا بد أن تبتدئ من الواحد ثم تزيد واحدا واحدا إلخ أخذا مما يأتي في جوز الشجرة ( قوله : لأن ما وقع معدودا ) أي كحب الرمانة ( قوله : إذا لم تعطنيه ) خرج به ما لو قال إن لم تعطنيه فلا يحنث بذلك وكأن نسخة حج التي وقعت لسم فيها التعبير بإن لم إلخ ، ومن ثم كتب عليه ما نصه : قد يقال هذا تعليق بمستحيل ، وقاعدته الوقوع في الحال ، ويتجه أن يقال إن قصد الإعطاء في الحال مع اتصافها بعدم علمها به فهو كإن لم تصعدي السماء فيقع في الحال وإلا فهو كإن لم تدخلي الدار لإمكان إعطائها بغير علمها فلا يقع إلا باليأس بشرطه فليتأمل يظهر أنه لا وجه لما ذكره بل الظاهر أنه سهو ، وفي سم على حج : فرع : قال في الروض : لو أخذت له دينارا فقال إن لم تعطني الدينار فأنت طالق وقد أنفقته لم تطلق إلا باليأس من إعطائه بالموت ، فإن تلف : أي الدينار قبل التمكن من الرد فمكرهة انتهى : أي بلا تطلق أو بعد التمكن منه طلقت ا هـ . وقد [ ص: 48 ] يتوقف في قوله لم تطلق إلا باليأس من إعطائه بالموت مع قوله وقد أنفقته فإن اليأس من رده حاصل في الحال لأنه بعد إنفاقه لا يمكن إعطاؤه إلا أن يقال إنفاقه عبارة عن التصرف بشرائها به شيئا وبعد الشراء يمكن عوده لها بهبة أو شراء شيء منها به ممن أخذه أو غيره ( قوله : ونظيره هنا الحنث باليأس ) هو ظاهر إذا لم يكن بينهما محاورة وحلف على غلبة الظن وإلا فلا حنث فيما يظهر ( قوله : بمضي لحظة ) وذلك لأن معنى قوله إذا لم إلخ إن مضى زمن يمكن فيه الإعطاء ولم تعط ، وبفوات اللحظة أيست من الإعطاء في الزمن المحلوف عليه ، وما ذكره الشارح يأتي مثله فيما لو دفع لزوجته شيئا وضاع منها أو سهت عن محله ثم طلبه منها فلم تعطه فقال إذا لم تأتيني به فأنت طالق وهو الحنث بعد مضي لحظة حيث كان التعليق بإذا ، وأما إذا كان بإن فباليأس ( قوله : أما البشارة ) محترز الإخبار الذي عبر به المصنف ( قوله : ما ذكر آنفا ) أي في الرمانة ( قوله : لوجود سبب الحنث ) يؤخذ منه أنه لو سقط من جدار احتمل سقوطه منه لتهدمه لا بفعل أحد يحنث لأنها لم تبين سبب سقوطه وطريقها أن يقول رماه مخلوق أو تهدم الجدار ( قوله : وشبه ) أي في الحنث ( قوله : إن شاء الله ) لا حاجة إلى التقييد بالمشيئة في هذه لأنه حاك لقولها ( قوله أو إن أرقت ) أي صببته ( قوله : أو بلتها ببعضه ) أي أو صبت بعضه ( قوله : فقامت لم تطلق ) معتمد [ ص: 49 ] قوله : فرقدت طلقت ) معتمد ( قوله : لأن المطلوب بالأمر إلخ ) وقد نظم بعضهم هذا الحكم مستشكلا له فقال :

                                                                                                                            وأنت إن خالفت نهيي تطلقي فخالفت أمرا طلاقها انتفى وعكس هذي لا وهذا النقل
                                                                                                                            فأي فرق أوضحا يا فضل

                                                                                                                            وناظمه الشيخ عيسى الشهاوي .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : صادقة ) يجب حذفه ليتأتى قوله : الآتي ولا ينافيه قولهم لا يعتبر في الخبر صدق إلخ . المعلوم منه أن المسألة مصورة فيما إذا لم يقيد في تعليقه الخبر بالصدق ، إذ لو كانت صورة المسألة أنه قيد بكونها صادقة تقيد الحكم بذلك ولم يكن لقوله [ ص: 48 ] ولا ينافيه إلخ . معنى ( قوله : وحكمه الحنث حالا ) أي وإن علق بإن كما علق بإن كما قدمناه أول الفصل ( قوله : من غيرهن ) الأصوب حذفه ليشمل ما إذا علم برؤيته له مثلا ، ولما يلزم على ذكره من التكرار لأنه حينئذ يصير محترز الخبر الأول ( قوله : وجب أن تبدأ من الواحد ) قال الإمام : واكتفوا بذكر اللسان على الوجهين ولم يعتبروا للعد الفعل ، [ ص: 49 ] ولست أرى الأمر كذلك إلا أن يرى الواحد بعد الواحد ويضبط فيقام مقام الفعل . ا هـ . ( قوله : لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ) هذا إنما ذكروه في الأمر النفسي قال في جمع الجوامع : أما اللفظي فليس عين النهي قطعا ولا يتضمنه على الأصح ( قوله : فاليمين لا تبنى عليه ) انظر مرجع الضمير ( قوله : حصل الإيقاع ) هذا إنما يظهر لو وقع من المعلق بعد تعليقه أمر في الخارج بشيء معين ثم نهى عنه فتأمل ( قوله : ; لإتيانها بضد مطلوبه ) هذا إنما يتضح إذا أحدثت فعلا ، بخلاف ما إذا استدامت الحالة التي هي عليها




                                                                                                                            الخدمات العلمية