الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال : ( وإذا قال الموهوب له للواهب خذ هذا عوضا عن هبتك أو بدلا عنها أو في مقابلتها فقبضه الواهب  سقط الرجوع ) لحصول المقصود ، وهذه العبارات تؤدي معنى واحدا ( وإن عوضه أجنبي عن الموهوب له متبرعا فقبض الواهب العوض بطل الرجوع ) ; لأن العوض لإسقاط الحق فيصح من الأجنبي كبدل الخلع والصلح : [ ص: 45 ]

قال : ( وإذا استحق نصف الهبة  رجع بنصف العوض ) ; لأنه لم يسلم له ما يقابل نصفه ( وإن استحق نصف العوض لم يرجع في الهبة إلا أن يرد ما بقي ثم يرجع ) وقال زفر : يرجع بالنصف اعتبارا بالعوض الآخر . ولنا أنه يصلح عوضا للكل من الابتداء ، وبالاستحقاق ظهر أنه لا عوض إلا هو ، إلا أنه يتخير ; لأنه ما أسقط حقه في الرجوع إلا ليسلم له كل العوض ولم يسلم فله أن يرده .

قال ( وإن وهب دارا فعوضه من نصفها ) رجع الواهب في النصف الذي لم يعوض ; لأن المانع خص النصف .

قال : ( ولا يصح الرجوع إلا بتراضيهما أو بحكم الحاكم ) ; لأنه مختلف بين العلماء ، [ ص: 46 ] وفي أصله وهاء وفي حصول المقصود وعدمه خفاء ، فلا بد من الفصل بالرضا أو بالقضاء ، حتى لو كانت الهبة عبدا فأعتقه قبل القضاء نفذ ، ولو منعه فهلك لم يضمن ; لقيام ملكه فيه ، وكذا إذا هلك في يده بعد القضاء ; لأن أول القبض غير مضمون ، وهذا دوام عليه إلا أن يمنعه بعد طلبه ; لأنه تعد ، وإذا رجع بالقضاء أو بالتراضي يكون فسخا من الأصل حتى لا يشترط قبض الواهب ويصح في الشائع ; لأن العقد وقع جائزا موجبا حق الفسخ ، [ ص: 47 ] فكان بالفسخ مستوفيا حقا ثابتا له فيظهر على الإطلاق ، [ ص: 48 ] بخلاف الرد بالعيب بعد القبض ; لأن الحق هناك في وصف السلامة لا في الفسخ فافترقا .

التالي السابق


( قوله : أما في هذه المسائل يجب الأجر بالتخلية والتسليم فتبقى الجهالة ، وهذا الحرف هو الأصل عندهما ) قال صاحب التسهيل : يرد على أصلهما مسألة التخيير بين مسافتين مختلفتين ، فإن الأجر يجب بالتسليم من غير عمل فيلزم أن يفسد عقد الإجارة ثمة عندهما مع أنه جائز عند أصحابنا وفاقا إلا عند زفر ، انتهى [ ص: 136 ] كلامه . أقول : يمكن أن يجاب عنه بأن الأجر ، وإن وجب في الصورة المذكورة بالتسليم من غير عمل إلا أنه لا يجب بمجرد التسليم والتخلية ، بل لا بد في وجوبه من قطع المسافة المعينة في ذلك العقد ، فإنهم صرحوا بأنه إذا استأجر دابة إلى الكوفة فسلمها المؤجر وأمسكها المستأجر ببغداد حتى مضت مدة يمكنه المسير فيها إلى الكوفة فلا أجر عليه ، وإن ساقها معه إلى الكوفة فلم يركبها وجبت الأجرة . انتهى .

ففي مسألة التخيير بين مسافتين مختلفتين ترتفع الجهالة بقطع مسافة من تينك المسافتين ، بخلاف ما نحن فيه على أصلهما ( قوله : ولو احتيج إلى الإيجاب بمجرد التسليم يجب أقل الأجرين للتيقن به ) يعني ولو احتيج إلى إيجاب الأجر بمجرد التخلية والتسليم ، بأن يسلم العين المستأجرة إلى المستأجر ، ولم ينتفع به قط حتى تعلم المنفعة يجب أقل الأجرين اللذين سميا في العقد للتيقن به . أقول : لقائل أن يقول : لو جاز الأخذ بالأقل في دفع الجهالة الواقعة في باب الإجارة بناء على كونه متيقنا لصحت الإجارة فيما إذا سمى لعمل معين أو لمنفعة معينة أجرين متغايرين على سبيل البدل كأن قال : خط هذا الثوب بدرهم أم بنصف درهم ، أو قال : اسكن في هذا البيت بدرهم أو بنصف درهم وجب أقل الأجرين اللذين سماهما ولم يقل به أحد فتأمل في الدفع ، والله الموفق .




الخدمات العلمية