الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
. قال ( ومن غصب شيئا له مثل كالمكيل والموزون فهلك في يده فعليه مثله ) وفي بعض النسخ : فعليه ضمان مثله ، ولا تفاوت بينهما ، وهذا لأن الواجب هو المثل لقوله تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } [ ص: 319 ] ولأن المثل أعدل لما فيه من مراعاة الجنس والمالية فكان أدفع للضرر . قال ( فإن لم يقدر على مثله فعليه قيمته يوم يختصمون ) وهذا ( عند أبي حنيفة . وقال أبو يوسف : يوم الغصب . وقال محمد : يوم الانقطاع ) لأبي يوسف أنه لما انقطع التحق بما لا مثل له فتعتبر قيمته يوم انعقاد السبب إذ هو الموجب . ولمحمد أن الواجب المثل في الذمة . [ ص: 320 ] وإنما ينتقل إلى القيمة بالانقطاع فتعتبر قيمته يوم الانقطاع . ولأبي حنيفة أن النقل لا يثبت بمجرد الانقطاع ، ولهذا لو صبر إلى أن يوجد جنسه له ذلك ، وإنما ينتقل بقضاء القاضي فتعتبر قيمته يوم الخصومة والقضاء بخلاف ما لا مثل له ; لأنه مطالب بالقيمة بأصل السبب كما وجد فتعتبر قيمته عند ذلك . .

التالي السابق


( قوله ولأن المثل أعدل لما فيه من مراعاة الجنس والمالية ) قال في النهاية والعناية : لأن الحنطة مثلا مثل الحنطة جنسا ، ومالية الحنطة المؤداة مثل مالية الحنطة المغصوبة ; لأن الجودة ساقطة العبرة في الأموال الربوية ا هـ .

أقول : الظاهر أن المقصود من التعرض هاهنا لبيان كون الجودة ساقطة العبرة في الأموال الربوية دفع ورود سؤال على أن يكون في إيجاب المثل مراعاة المالية بظهور تحقق الاختلاف بين ذوات الأمثال بالجودة والرداءة ، ولكن اندفاعه بذلك غير واضح عندي ; لأنه إن أريد بكون الجودة ساقطة العبرة في الأموال الربوية أنه لا تفاوت بين جيدها ورديئها في المالية فهو ممنوع ، إذ التفاضل في القيمة بينهما في المتعارف ظاهر جدا .

وإن أريد بذلك أنه لا عبرة بالتفاوت بين الأموال الربوية في وصف الجودة والرداءة عند أهل الشرع لقول النبي صلى الله عليه وسلم { جيدها ورديئها سواء } فهو مسلم لا كلام فيه ، لكن لا يندفع به السؤال المتجه على قول المصنف هاهنا لما فيه من مراعاة الجنس والمالية بأن مراعاة المالية في إيجاب المثل غير مسلم لتحقق الاختلاف بين ذوات الأمثال بالجودة والرداءة وذلك يقتضي التفاوت بينهما في المالية ، بل لا يخفى على ذي فطرة سليمة أن عدم الاعتبار لتفاوت الأموال الربوية في وصف الجودة والرداءة عند أهل الشرع يؤيد ورود ذلك السؤال هاهنا ، إذ لو كان عندهم اعتبار لتفاوتها في ذلك لما تصور التفاوت في المالية عند مراعاة التساوي في الوصف أيضا تأمل تقف ( قوله لأبي يوسف أنه لما انقطع التحق بما لا مثل له فتعتبر قيمة يوم انعقاد السبب إذ هو الموجب ) قال صاحب النهاية : فإن قلت : لم قدم قول أبي يوسف في التعليل ولم يوسطه كما هو حقه ؟ قلت : يحتمل أن يكون ذلك لوجهين : أحدهما أن يكون المختار قوله لقوة دليله إذ فيه إثبات الحكم بحسب ثبوت الموجب ; لأن المغصوب دخل في ضمان الغاصب من وقت الغصب فيجب أن يكون اعتبار القيمة من وقت الغصب . والثاني لإثبات الأقوال الثلاثة بحسب ترتيب الزمان على تلك الأقوال ، فإن أول الأوقات من هذه الأقوال الثلاثة يوم الغصب ، ثم يوم الانقطاع ، ثم يوم الخصومة . فإيراد الأقوال على ترتيب هذه الأزمنة لم يتأت إلا بتقديم قول أبي يوسف ثم بقول محمد ثم بقول أبي حنيفة رحمهم الله ا هـ كلامه . وقد ذكر الوجه الثاني فقط بطريق الإجمال في معراج الدراية أيضا ، وكذا ذكر ذلك الوجه فقط في العناية أيضا ولكن بطريق النقل بقيل . أقول : كل واحد من ذينك الوجهين منظور فيه .

أما الوجه الأول فلأن ما ذكر فيه لا يدل على قوة دليل أبي يوسف ; لأن المغصوب المثلي إنما دخل في ضمان الغاصب وقت الغصب بضمان المثل ، ثم انتقل إلى ضمان القيمة بالانقطاع كما أفصح عنه المصنف في ذكر دليل محمد ، فمن أين يجب أن يكون اعتبار القيمة من وقت الغصب دون وقت الانقطاع حتى يلزم قوة دليله ، ولو سلم قوة دليله فهي [ ص: 320 ] تقتضي تأخير دليله إذ من عادة المصنف المستمرة أن يؤخر القوي عند ذكر الأدلة على الأقوال المختلفة ليقع المؤخر بمنزلة الجواب عن المقدم ، وإن كان يقدم القوي في الأكثر عند نقل أصل الأقوال ، وهذا مما لا سترة به عند من له قدم راسخ في معرفة أساليب كلام المصنف . وأما الوجه الثاني فلأن إثبات تلك الأقوال بحسب الترتيب الزماني مما لا يتعلق به نظر فقهي أصلا ، فتغيير المصنف أسلوبه المقرر بمجرد ذلك الأمر الوهمي مما لا يناسب بشأنه الرفيع ، فالوجه عندي أن المصنف جرى هاهنا أيضا على عادته المقررة من تأخير الأقوى فالأقوى عند ذكر الأدلة على الأقوال المختلفة ليحصل الجواب من المتأخر للمتقدم كما حصل هاهنا أيضا ذلك على ما يشهد به التأمل الصادق . قال صدر الشريعة في شرح الوقاية : أقول قول أبي يوسف أعدل ; لأنه لم يبق شيء من نوعه في يوم الخصومة ، والقيمة تعتبر بكثرة الرغبات وقلتها ، وفي المعدوم هذا متعذر أو متعسر ، ويوم الانقطاع لا ضبط له . وأيضا لم ينتقل إلى القيمة في هذا اليوم إذا لم يوجد من المالك طلب ، وأيضا عند وجود المثل لم ينتقل وعند عدمه لا قيمة له ، إلى هنا كلامه .

وقال بعض الفضلاء بعد نقل كلام صدر الشريعة : ويمكن أن يجاب عنه بما ذكر في النهاية حيث قال : وحد الانقطاع ما ذكره أبو بكر الثلجي ، وهو أن لا يوجد في السوق الذي يباع فيه وإن كان يوجد في البيوت ، وعلى هذا انقطاع الدراهم ا هـ . وقد سبقه إلى هذا الجواب صاحب الإصلاح والإيضاح . أقول : ويمكن رد هذا الجواب بأن يجوز أن يكون مراد صدر الشريعة بالمعدوم ما هو معدوم في السوق الذي يباع فيه لا المعدوم في الخارج مطلقا ، وكأنه لهذا قال : وفي المعدوم هذا متعذر أو متعسر : يعني أنه بعدما عدم في السوق الذي يباع فيه إن لم يوجد في البيوت أيضا يتعذر التقويم ، وإن وجد فيها يتعسر التقويم ; لأن معيار تقويم المقومين هو السوق الذي يباع فيه الأشياء ، وفي غير ذلك لا يتيسر التقويم العادل ، وكذا مراده بعدم بقاء شيء في قوله لم يبق شيء من نوعه في يوم الخصومة عدم بقائه في السوق الذي يباع فيه ، فعلى هذا لا يمكن الجواب عنه بما ذكره أبو بكر الثلجي في حد الانقطاع كما لا يخفى .

( قوله بخلاف ما لا مثل له ; لأنه مطالب بالقيمة بأصل السبب كما وجد فتعتبر قيمته عند ذلك ) أقول : فيه إشكال ; لأن هذا لا يتم على ما سيجيء عن قريب من أن الموجب الأصلي في الغصب على ما قالوا هو رد العين ، وإنما رد القيمة مخلص خلفا ، إذ المطالب بأصل السبب حينئذ فيما لا مثل له أيضا إنما هو رد العين ; لأنه الواجب الأصلي مطلقا ، وإنما ينتقل إلى القيمة بهلاك العين فينبغي أن تعتبر قيمته وقت هلاك عينه لا وقت وجود أصل السبب وهو الغصب ، ألا يرى أن الواجب بعد هلاك العين فيما له مثل هو المثل في الذمة ، وإنما ينتقل إلى القيمة بالانقطاع عند محمد فتعتبر قيمة وقت الانقطاع عنده ، وبقضاء القاضي عند أبي حنيفة فتعتبر قيمته وقت الخصومة والقضاء عنده ولا تعتبر قيمته وقت وجود أصل السبب عند أحد منهما .

وبالجملة الفرق بين ما لا مثل له وبين ما له مثل على قول أبي حنيفة ومحمد بأن القيمة تعتبر في الأول عند وجود أصل السبب ، وفي الثاني عند الانتقال إلى القيمة غير واضح على ما قالوا : إن الموجب الأصلي في الغصب مطلقا هو رد العين ، وإنما رد القيمة مخلص خلفا كما سيجيء : وأما على ما قيل : [ ص: 321 ] إن الموجب الأصلي هو القيمة ورد العين مخلص كما سيجيء أيضا فلا يتم دليل أبي حنيفة ولا دليل محمد رأسا ، إذ في كل منهما تصريح بأن الموجب الأصلي في الغصب غير القيمة ، وإنما ينتقل إليها بأمر عارض ، فالمقام لا يخلو عن الإشكال على كل حال




الخدمات العلمية