الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وإذا حجر على المأذون له فإقراره جائز فيما في يده من المال عند أبي حنيفة ) [ ص: 298 ] ومعناه أن يقر بما في يده أنه أمانة لغيره أو غصب منه أو يقر بدين عليه فيقضى مما في يده . وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : لا يجوز إقراره . لهما أن المصحح لإقراره إن كان الإذن فقد زال بالحجر ، وإن كان اليد فالحجر أبطلها ; لأن يد المحجور غير معتبرة وصار كما إذا أخذ المولى كسبه من يده قبل إقراره أو ثبت حجره بالبيع من غيره ، ولهذا لا يصح إقراره في حق الرقبة بعد الحجر ، وله أن المصحح هو اليد ، ولهذا لا يصح إقرار المأذون فيما أخذه المولى من يده واليد باقية حقيقة ، وشرط بطلانها بالحجر حكما فراغها عن حاجته ، وإقراره دليل تحققها ، بخلاف ما إذا انتزعه المولى من يده قبل الإقرار ; لأن يد المولى ثابتة حقيقة وحكما فلا تبطل بإقراره ، وكذا ملكه ثابت في رقبته فلا يبطل بإقراره من غير رضاه ، وهذا بخلاف ما إذا باعه ; لأن العبد قد تبدل بتبدل الملك [ ص: 299 ] على ما عرف فلا يبقى ما ثبت بحكم الملك ، ولهذا لم يكن خصما فيما باشره قبل البيع . .

التالي السابق


( قوله لهما أن المصحح لإقراره إن كان الإذن فقد زال بالحجر ، وإن كان اليد فالحجر أبطلها ; لأن يد المحجور غير معتبرة ) قال صاحب النهاية : فإن قلت : يشكل على هذا ما ذكره في وديعة المبسوط بقوله عبد استودع رجلا وديعة ثم غاب لم يكن لمولاه أن يأخذ الوديعة تاجرا كان العبد أو محجورا عليه ، فلو لم يكن ليد المحجور اعتبار لما اشترط حضرته بل جعل ما أودعه بمنزلة ثوب هبت به الريح وألقته في حجر رجل ; لأن فائدة عدم اعتبار اليد هي أن يكون وجودها وعدمها بمنزلة ولم تجعل كذلك ، فعلم بهذا أن ليده اعتبارا وإن كان محجورا ، والدليل على هذا ما ذكره الإمام الأسروشني في وديعة أحكام الصغار في تعليل هذه المسألة فقال : لأن العبد آدمي له يد حكمية فلا يكون لمولاه أن يأخذه من المودع ما لم يحضر العبد .

قلت : تلك المسألة مؤولة ذكر تأويلها في الفصل السادس عشر من وديعة الذخيرة فقال : وهذا إذا لم يعلم المودع أن الوديعة كسب العبد ، وأما إذا علم أنه كسبه فللمولى حق الأخذ ، وكذلك إذا لم يعلم أنها كسب العبد ولكن علم أنها مال المولى كان للمولى أن يأخذ ، إلى هنا كلام صاحب النهاية . وقد اقتفى أثره صاحب العناية في ذكر هذا السؤال والجواب لكن بعبارة أخرى أخصر من الأولى .

أقول : ذلك الجواب لا يسمن ولا يغني من جوع ، فإن تأويل تلك المسألة بما ذكر مع كونه مما يأباه قطعا ما ذكره الإمام الأسروشني في وديعة أحكام الصغار في تعليل تلك المسألة بما مر في آخر السؤال [ ص: 299 ] لا يجدي نفعا في دفع الإشكال الناشئ من المقدمة القائلة إن يد المحجور غير معتبرة ، إذ قد تقرر بعد ذلك التأويل أن في صورة أن لا يعلم المودع أن الوديعة التي أودعها العبد المحجور كسب ذلك العبد أو مال مولاه ليس للمولى أن يأخذها ، بل إنما يأخذها ذلك العبد ، فقد تحقق أن يكون للمحجور يد معتبرة في بعض الصور فلم يكن في تلك المقدمة كلية ، وما لم يكن فيها كلية لا يثبت مدعى الإمامين في مسألتنا فلا يتم التقريب .

لا يقال : يجوز أن يكون المراد بقولهما في التعليل ; لأن يد المحجور غير معتبرة أن يده غير معتبرة في شيء من الصور المندرجة تحت مسألتنا هذه ، وهذا القدر من الكلية يكفي في إثبات مدعاهما هاهنا . لأنا نقول : هذا القدر من الكلية أيضا غير متحقق ; لأن من الصور المندرجة تحت مسألتنا هذه إقراره بعد الحجر بأن ما في يده أمانة لغيره ، ففي هذه الصورة إذا لم يعلم أن ما في يده كسبه أو مال مولاه فلا جرم أن تكون يده إذ ذاك معتبرة على مقتضى ما مر في مسألة المبسوط وتقرر بعد تأويلها ، ومن تلك الصور أيضا إقراره بعد الحجر بأن ما في يده غصب من غيره ، ففي هذه الصورة أيضا إذا لم يعلم أنه كسبه أو مال مولاه تكون يده معتبرة على مقتضى ذلك إذا لم يكن عين المغصوب متغيرا بفعله بأن لم يزل اسمه وعظم منافعه ، إذ لا يزول عنه حينئذ ملك المغصوب منه كما سيجيء في كتاب الغصب فلا يتصور أن يكون من كسب ذي اليد ، تدبر تفهم .

( قوله فلا يبقى ما ثبت بحكم الملك ) قال في العناية : يعني به الإذن ; لأنه ثبت للعبد بحكم أنه ملك المولى وقد زال ذلك الملك ا هـ . وعلى هذا المعنى استخراج سائر الشراح أيضا هذا المحل وإن اختلفت عبارتهم ، منها ما ذكره صاحب الغاية فإنه قال : أي لا يبقى للعبد المأذون بعد بيعه ما ثبت له من الإذن قبل البيع بحكم أنه ملك المولى فلا جرم لم يصح إقراره بما في يده بعد البيع لعدم بقاء الإذن ا هـ . أقول : فيه نظر ; لأن عدم بقاء الإذن مقرر فيما نحن فيه أيضا ، وهو ما إذا حجر المولى على المأذون له بدون أن يبيعه ، والمصنف هاهنا بصدد الفرق من قبل أبي حنيفة بين ما نحن فيه وبين ما إذا باعه ، فلو كان مراده بما ثبت بحكم الملك في قوله فلا يبقى ما ثبت بحكم الملك هو الإذن لما كان لذكر هذه المقدمة : أعني قوله فلا يبقى ما ثبت بحكم الملك فائدة أصلا هاهنا لعدم اختصاص عدم بقاء الإذن بما إذا باعه دون ما نحن فيه ، فيلزم أن يكون قوله المذكور لغوا من الكلام ، ولا ينبغي ذلك لمثل المصنف ، والوجه عندي أن يكون مراده بما ثبت بحكم الملك في قوله المزبور يده الحكمية كما هو المناسب لقوله فيما قبل واليد باقية حقيقة وشرط بطلانها بالحجر حكما فراغها عن حاجته . ولما كان تبدل الملك فيما إذا باعه بمنزلة تبدل الذات لم يبق ما ثبت بحكم الملك الأول من يده الحكمية ، بخلاف ما نحن فيه ، فإن البدنية باقية حقيقة وحكما ما لم يفرع عن حاجته ، وعلى هذا المعنى تظهر فائدة هاتيك المقدمة جدا ، فتأمل وكن الحاكم الفيصل




الخدمات العلمية