الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
الجامع الصغير للسيوطي 303 - " أَخْنَعُ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ؛ لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ " ؛ (ق د ت) ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ (صح). فيض القدير (أَخْنَعُ) ؛ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ؛ وَالنُّونِ؛ بَيْنَهُمَا مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ؛ وَفِي رِوَايَةٍ: " أَخْنَى" ؛ أَيْ: أَفْحَشُ؛ (الْأَسْمَاءِ) ؛ أَيْ: أَقْتَلُهَا لِصَاحِبِهِ وَأَهْلَكُهَا لَهُ؛ يَعْنِي أَدْخَلُهَا فِي الْخُنُوعِ؛ وَهُوَ الذُّلُّ؛ وَالضَّعَةُ؛ وَالْهَوَانُ؛ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ؛ (عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ؛ قَيَّدَ بِهِ؛ مَعَ كَوْنِهِ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ؛ إِشْعَارًا بِتَرَتُّبِ مَا هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ مِنْ إِنْزَالِ الْهَوَانِ؛ وَحُلُولِ الْعَذَابِ؛ (رَجُلٌ) ؛ أَيْ: اسْمُ رَجُلٍ؛ قَالَ الطَّيِّبِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ؛ لِيُطَابِقَ الْخَبَرَ؛ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالِاسْمِ الْمُسَمَّى؛ مَجَازًا؛ أَيْ: " أَخْنَعُ الرِّجَالِ رَجُلٌ..." ؛ كَقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ؛ وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَدَّسَ اسْمَهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِذَاتِهِ؛ فَذَاتُهُ بِالتَّقْدِيسِ أَوْلَى؛ وَإِذَا كَانَ الِاسْمُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالصَّغَارِ وَالْهَوَانِ؛ فَكَيْفَ الْمُسَمَّى بِهِ؟! انْتَهَى؛ وَمَا بَحَثَهُ تَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ ؛ فَقَالَ: الْمُرَادُ بِالِاسْمِ الْمُسَمَّى؛ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ: " أَغْيَظُ رَجُلٍ؛ وَأَخْبَثُهُ..." ؛ وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: " وَأَغْيَظُهُ" ؛ مَعْطُوفًا عَلَى " أَخْبَثُهُ" ؛ فَجَاءَ مُكَرَّرًا؛ فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ وَهْمٌ؛ وَأَنَّ الصَّوَابَ: " وَأَغْنَطَهُ" ؛ بِالنُّونِ؛ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ: " أَشَدُّ" ؛ وَ" الْغِنْطَةُ" : شِدَّةُ الْكَذِبِ؛ وَرَدَّهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ تَطْرِيقَ الْوَهْمِ إِلَى الْحُفَّاظِ وَهْمٌ؛ لَا يَنْبَغِي الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهِ مَا وُجِدَ لِلْكَلَامِ وَجْهٌ؛ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى إِفَادَةِ تَكْرَارِ عُقُوبَةِ مَنْ تَسَمَّى بِهِ؛ تَغْلِيظًا؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ (تَعَالَى): فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ؛ أَيْ: بِعُقُوبَةٍ بَعْدَ عُقُوبَةٍ؛ (تَسَمَّى) ؛ أَيْ: سَمَّى نَفْسَهُ؛ أَوْ سَمَّاهُ غَيْرُهُ؛ فَأَقَرَّهُ؛ وَرَضِيَ بِهِ؛ (مَلِكَ) ؛ بِكَسْرِ اللَّامِ؛ (الْأَمْلَاكِ) ؛ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ؛ نَحْوَ " شَاهٍ شَاهَانْ" ؛ أَوْ " شَاهَانْ شَاهْ" ؛ وَالْعَجَمُ تُقَدِّمُ الْمُضَافَ إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ؛ وَأُلْحِقَ بِهِ " مَلِكُ شَاهْ" ؛ قِيلَ: وَإِذَا امْتَنَعَ التَّسَمِّي بِمَا ذُكِرَ؛ فَبِاسْمِ مَنْ لَهُ هَذَا الْوَصْفُ كَـ " اللَّهُ" ؛ وَ" الْجَبَّارُ" ؛ وَ" الرَّحْمَنُ" ؛ أَوْلَى؛ وَقَيَّدَ فِيمَا مَرَّ بِالْعِنْدِيَّةِ؛ إِيذَانًا بِشِدَّةِ غَضَبِهِ؛ وَمَزِيدِ عِقَابِهِ لِمَنْ سُمِّيَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ أَوْ تَسَمَّى بِهِ؛ وَالْتَزَمَهُ؛ فَلَمْ يُغَيِّرْهُ؛ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَحَاصِلُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ تَسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ انْتَهَى مِنَ الْكِبْرِ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي لِمَخْلُوقٍ؛ وَأَنَّهُ قَدْ تَعَاطَى مَا هُوَ خَاصٌّ بِالْإِلَهِ الْحَقِّ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الْفِطْرَةِ أَنَّهُ (لَا مَالِكَ ) ؛ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ (إِلَّا اللَّهُ) ؛ فَلَا يَصْدُقُ هَذَا الِاسْمُ بِالْحَقِيقَةِ إِلَّا عَلَيْهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -؛ فَعُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْإِذْلَالِ وَالِاسْتِرْذَالِ بِمَا لَمْ يُعَاقَبْ بِهِ مَخْلُوقٌ؛ وَ" الْمَالِكُ" : مَنْ لَهُ الْمِلْكُ؛ وَ" الْمَلِكُ" : أَمْدَحُ؛ وَ" الْمَالِكُ" ؛ أَخَصُّ؛ وَكِلَاهُمَا وَاجِبٌ لِلَّهِ (تَعَالَى)؛ انْتَهَى؛ وَقَالَ الطَّيِّبِيُّ: قَوْلُهُ: " لَا مَالِكَ ..." ؛ إِلَى آخِرِهِ؛ اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ تَعْلِيلِ تَحْرِيمِ التَّسْمِيَةِ؛ فَنَفَى جِنْسَ الْمُلَّاكِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ إِلَّا هُوَ؛ وَمَالِكِيَّةُ الْغَيْرِ مُسْتَرَدَّةٌ إِلَى مَالِكِ الْمُلُوكِ؛ فَمَنْ تَسَمَّى بِذَلِكَ؛ نَازَعَ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فِي رِدَاءِ كِبْرِيَائِهِ؛ وَاسْتَنْكَفَ أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْمَالِكِيَّةِ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ؛ لَا يَتَجَاوَزُهُ؛ وَالْمَمْلُوكِيَّةُ بِالْعَبْدِ؛ لَا تَتَجَاوَزُهُ؛ فَمَنْ تَعَدَّى طَوْرَهُ فَلَهُ فِي الدُّنْيَا الْخِزْيُ وَالْعَارُ؛ وَفِي الْآخِرَةِ الْإِلْقَاءُ فِي النَّارِ؛ انْتَهَى؛ وَمِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي لَا تَخْطُرُ بِالْبَالِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ ؛ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ؛ أَنَّ أَبَا الْعَتَاهِيَةِ كَانَ لَهُ ابْنَتَانِ؛ سَمَّى إِحْدَاهُمَا " اللَّهُ" ؛ وَالْأُخْرَى " الرَّحْمَنُ" ؛ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْقَبَائِحِ؛ وَأَشَدِّ الْجَرَائِمِ وَالْفَضَائِحِ؛ وَقِيلَ: إِنَّهُ تَابَ؛ وَأَلْحَقَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِـ " مَلِكُ الْأَمْلَاكِ" ؛ " حَاكِمُ الْحُكَّامِ" ؛ وَقَدْ شَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّكِيرَ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعَالَى): وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ رُبَّ غَرِيقٍ فِي الْجَهْلِ وَالْجَوْرِ؛ مِنْ مُتَقَلِّدِي الْحُكُومَةِ فِي زَمَنِنَا؛ قَدْ لُقِّبَ " أَقَضَى الْقُضَاةِ" ؛ وَمَعْنَاهُ " أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ" ؛ فَاعْتَبَرَ؛ وَاسْتَعْبَرَ؛ انْتَهَى؛ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ خَبَرَ " أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ" ؛ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ أَنْ يُقَالَ لِأَعْدَلِ الْقُضَاةِ وَأَعْلَمِهِمْ فِي زَمَنِهِ: " قَاضِي الْقُضَاةِ" ؛ وَرُدَّ عَلَيْهِ؛ وَشَنَّعَ الْعَلَمُ الْعِرَاقِيُّ مُنْتَصِرًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ ؛ وَمِنَ النَّوَادِرِ أَنَّ الْعِزَّ بْنَ جُمَاعَةَ رَأَى أَبَاهُ فِي النَّوْمِ؛ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ؛ فَقَالَ: مَا كَانَ عَلَيَّ أَضَرَّ مِنْ هَذَا الِاسْمِ؛ فَنَهَى الْمُوَقِّعِينَ أَنْ يَكْتُبُوا لَهُ فِي الْأَسْجَالِ " قَاضِي الْقُضَاةِ" ؛ بَلْ " قَاضِي الْمُسْلِمِينَ" ؛ وَمَنَعَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ جَوَازِ تَلْقِيبِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ فِي عَصْرِهِ بِـ " مَلِكِ الْمُلُوكِ" ؛ مَعَ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ كَانَ يُقَالُ لَهُ: " أَقَضَى الْقُضَاةِ" ؛ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ الْوُقُوفُ مَعَ الْخَبَرِ؛ وَظُهُورُ إِرَادَةِ الْعَهْدِ الزَّمَانِيِّ فِي الْقُضَاةِ؛ وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : يَلْحَقُ بِـ " مِلِكُ الْأَمْلَاكِ" ؛ " قَاضِي الْقُضَاةِ" ؛ وَإِنِ اشْتُهِرَ فِي بِلَادِ الشَّرْقِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ خِلَافُهُ؛ وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْأَدَبِ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَتَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ بِـ " سَيِّدُ النَّاسِ" ؛ وَ" سَيِّدَةُ الْكُلِّ" ؛ كَمَا تَحْرُمُ بِـ " سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ" ؛ فَإِنَّ ذَا لَيْسَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا يَحِلُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ؛ قَالَ: وَلَا تَجُوزُ التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى؛ كَـ " الْأَحَدُ" ؛ وَ" الصَّمَدُ" ؛ وَلَا تَسْمِيَةُ الْمُلُوكِ بِـ " الظَّاهِرِ" ؛ وَ" الْقَاهِرِ" ؛ وَ" الْقَادِرِ" ؛ وَظَاهِرُ الْوَعِيدِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ الشَّدِيدَ؛ هَبْهُ قَصَدَ أَنَّهُ مَلِكٌ عَلَى مُلُوكِ الْأَرْضِ؛ أَوْ بَعْضِهَا؛ لَكِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ مِنْ أَكَابِرِ الشَّافِعِيَّةِ يُجَوِّزُهُ بِالْقَصْدِ الْمَذْكُورِ؛ وَخَالَفَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ؛ كَمَا مَرَّ؛ وَيَأْتِي. (ق د ت؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) - رَضِيَ اللَّهُ (تَعَالَى) عَنْهُ - وَفِي الْبَابِ غَيْرُهُ أَيْضًا؛ انْتَهَى.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية