الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
322 - " أدنى ما تقطع فيه يد السارق ثمن المجن " ؛ الطحاوي ؛ (طب)؛ عن أيمن الحبشي.

التالي السابق


(أدنى ما تقطع فيه يد السارق) ؛ أي: أدون ما يجب فيه قطع يد السارق من حرز مثله؛ بشرطه؛ (ثمن) ؛ وفي رواية: " قيمة" ؛ (المجن) ؛ بكسر الميم؛ وفتح الجيم؛ الترس؛ سمي به لأنه يجن صاحبه؛ أي: يستره؛ ويواريه؛ وميمه عند سيبويه أصلية؛ وعند الجمهور زائدة؛ وبقية الحديث عند مخرجه الطحاوي : " وكان يقوم يومئذ بدينار" ؛ وفي رواية له أيضا: " بعشرة دراهم" ؛ ويوافقه رواية أبي داود؛ والنسائي ؛ عن ابن عباس ؛ قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا في مجن؛ قيمته دينار؛ أو عشرة دراهم؛ وفي رواية للنسائي: لا قطع فيما دون عشرة دراهم؛ وعورض بأحاديث؛ منها خبر الشيخين؛ عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم؛ وخبر البيهقي ؛ عن عمر ؛ قيل لعائشة : ما ثمن المجن؟ قالت: " ربع دينار" ؛ وقال ابن عبد البر : هذا أصح حديث في الباب؛ قال ابن حجر: ويجمع بأنه قال أولا: " لا قطع فيما دون العشرة" ؛ ثم شرع القطع في الثلاثة؛ فما فوقها؛ فزيد في تغليظ الحد؛ كما زيد في تغليظ حد الخمر؛ وأما سائر الروايات فليس فيها إلا الإخبار عن فعل وقع في عهده؛ وليس فيه تحديد النصاب؛ فلا ينافي رواية ابن عمر أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم؛ وهو مع كونه حكاية فعل؛ لا يخالف حديث عائشة أن قيمته ربع الدينار؛ فإن ربع الدينار صرف ثلاثة دراهم؛ وليس المراد به مجنا بعينه؛ بل الجنس؛ وأن القطع كان يقع في كل شيء يبلغ قدر ثمن المجن؛ فيكون نصابا؛ ولا يقطع فيما دونه؛ وقد أخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان السارق في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع في ثمن المجن؛ وكان يومئذ ذا ثمن؛ ولم يكن يقطع في الشيء التافه؛ وقد قال - في رواية الطحاوي أيضا؛ وغيره؛ بدل " ثمن" -: " قيمة" ؛ وقيمة الشيء: ما تنتهي إليه الرغبة فيه؛ و" الثمن" : ما يقابل به المبيع عند البيع؛ قال ابن دقيق العيد: القيمة؛ والثمن؛ قد يختلفان؛ والمعتبر القيمة؛ ولعل التعبير بالثمن لكونه صادف القيمة في ذلك الوقت؛ أو باعتبار الغلبة؛ والجمع بين مختلف الروايات في ثمن المجن ممكن؛ بالحمل على اختلاف الثمن والقيمة؛ أو على تعدد المجان التي قطع فيها؛ أو اعتماد الشافعي - رحمه الله (تعالى) - على حديث عائشة - رضي الله (تعالى) عنها - أنه لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا؛ قال: وهذا صريح في الحصر؛ وسائر الأخبار حكاية فعل؛ لا عموم لها؛ وأما خبر: " لعن الله السارق يسرق البيضة؛ فيقطع؛ ويسرق الحبل؛ فيقطع" ؛ فإنه - وإن احتمل أن يراد بيضة الحديد؛ وحبل السفن؛ كما قيل - فالأظهر من مساقه أنه يراد به التقليل؛ لكن أقل ذلك القليل يقيد بهذا الحديث ونحوه.

(تنبيه) : قال المازري وغيره: وقد صان الله (تعالى) الأموال؛ بإيجاب قطع سارقها؛ وخص السرقة لقلة ما عداها؛ بالنسبة إليها؛ من نحو نهب؛ وغصب؛ ولسهولة إقامة البينة عليها؛ بخلاف السرقة؛ وشدد العقوبة فيها؛ لتكون أبلغ في الزجر؛ ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه؛ حماية لليد؛ ثم لما خانت هانت؛ وفيه إشارة إلى الرد على المعري في قوله:


يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار



فأجابه القاضي عبد الوهاب بقوله:


عز الأمانة أغلاها وأرخصها ... ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

[ ص: 232 ] وشرحه أن الدية لو كانت ربع دينار؛ كثرت الجنايات على الأيدي؛ ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار كثرت على الأموال؛ فظهرت الحكمة من الجانبين؛ وكان فيه صيانة على الطرفين؛ قال الزمخشري : والدون يعبر به عن قلة المقدار؛ وإنما استعير الأدنى؛ وهو الأقرب؛ للأقل؛ لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز؛ وإذا بعدت كثر ذلك؛ و" القطع" ؛ كما في الفتح: تأثير في الغير بالإبانة.

( الطحاوي ؛ طب؛ عن أيمن الحبشي) ؛ ابن أم أيمن ؛ حاضنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -؛ واسمها " بركة" ؛ رمز المصنف لحسنه؛ قال ابن حجر: هذا منقطع؛ لأن أيمن إن كان هو ابن أم أيمن ؛ فلم يدركه عطاء ومجاهد ؛ لأنه استشهد يوم حنين؛ وإن كان والد عبد الواحد؛ أو ابن امرأة كعب ؛ فهو تابعي؛ وبالثاني جزم الشافعي ؛ وأبو حاتم ؛ وغيرهما؛ وأما رواية الطحاوي فنسب البيهقي الوهم فيها إلى شريك؛ وقد بين من رواية الطبراني أن الوهم ممن دونه؛ انتهى.



الخدمات العلمية