الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
803 - " إذا كان يوم القيامة؛ أتي بالموت كالكبش الأملح؛ فيوقف بين الجنة؛ والنار؛ فيذبح وهم ينظرون؛ فلو أن أحدا مات فرحا؛ لمات أهل الجنة؛ ولو أن أحدا مات حزنا؛ لمات أهل النار " ؛ (ت) ؛ عن أبي سعيد ؛ (ح).

التالي السابق


(إذا كان يوم القيامة؛ أتي بالموت؛ كالكبش الأملح) ؛ أي: الأبيض؛ الذي يخالطه قليل سواد؛ قال الزمخشري : و" الملحة" ؛ في الألوان: بياض تشقه شعرات سود؛ هي من لون الملح؛ (فيوقف بين الجنة؛ والنار؛ فيذبح) ؛ بينهما؛ وفي رواية ابن ماجه : " فيذبح على الصراط؛ وأبي يعلى والبزاز: " يذبح؛ كما تذبح الشاة" ؛ والذابح جبريل؛ أو يحيى بن زكريا؛ أو غيرهما؛ (وهم ينظرون) ؛ أي: أهل الموقف؛ وإن لم يتقدم لهم ذكر من قبل؛ حتى توارت بالحجاب ؛ (فلو أن أحدا مات فرحا؛ لمات أهل الجنة) ؛ لكن لم يقدر موت أحد من شدة الفرح؛ (ولو أن أحدا مات حزنا؛ لمات أهل النار) ؛ لكن الحزن لا يميت أحدا؛ أي: غالبا؛ فلا يموتون؛ قال الغزالي: هذا مثل ضربه ليوصل إلى الأفهام حصول اليأس من الموت؛ فقد جبلت القلوب على التأثر بالأملة؛ وثبوت المعاني فيها بواسطتها؛ والرسل إنما يكلمون الناس في الدنيا؛ وهي بالإضافة إلى الآخرة نوم؛ والنائم إنما يحتمل المثال؛ فيوصلون المعاني إلى أفهامهم بالأمثلة؛ حكمة من الله؛ ولطفا بعباده؛ وتيسيرا لإدراك ما يعجزون عن إدراكه دون ضرب المثل؛ أهـ؛ وقال القرطبي : بل يخلق الله كبشا؛ يسميه " الموت" ؛ ويلقي في قلوب الفريقين أنه الموت؛ ويجعل ذبحه دليلا على الخلود في الدارين؛ وحكمة جعله كالكبش: ما جاء أن ملك الموت أتى آدم في صورة كبش؛ وقد نشر من أجنحته أربعة آلاف جناح؛ أهـ؛ وتبعه عليه جمع؛ فقالوا: الذبح حقيقي؛ والذابح متولي الموت؛ وكلهم يعرفونه؛ لأنه المتولي قبض أرواحهم؛ ورجح بأن ملك الموت لو استمر حيا تنغص عيش أهل الجنة؛ ونوزع بأن الجنة لا حزن فيها؛ قال القرطبي : وفيه أن خلود أهل النار فيها لا إلى غاية؛ ومن زعم [ ص: 420 ] أنهم يخرجون منها؛ وتبقى خالية؛ وتزول؛ فخارج عما جاء به الرسول؛ وأجمع عليه أهل السنة؛ أهـ؛ قال ابن حجر؛ وجمع بعض المتأخرين - منهم ابن القيم -: فيه سبعة أقوال؛ أحدها هذا؛ نقل عليه الإجماع؛ والثاني: يعذبون إلى أن تنقلب طبيعتهم؛ فتصير نارية؛ فيتلذذون لموافقة طبعهم؛ وهو قول من ينسب إلى التصوف من الزنادقة؛ الثالث: يدخلها قوم؛ ويخرجون؛ ويخلفهم آخرون؛ الرابع: يخرجون؛ وتستمر هي بحالها؛ الخامس: تفنى؛ لأنها حادثة؛ وكل حادث يفنى؛ وهو قول الجهمية؛ السادس: تفنى حركاتهم البتة؛ وهو قول العلائي؛ السابع: يخرج أهلها منها؛ ويزول عذابها؛ جاء عن بعض الصحب؛ أخرجه عبد بن حميد في تفسيره؛ عن عمر ؛ من قوله؛ وهو منقطع؛ ونصره بعض المتأخرين من جهة النظر؛ وهو مذهب رديء؛ أطنب السبكي في رده؛ وقد مر ذلك بأبسط من هذا.

(ت؛ عن أبي سعيد) ؛ الخدري .



الخدمات العلمية