الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
56 - اللَّامُ قِسْمَانِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَامِلَةً ، أَوْ غَيْرَ عَامِلَةٍ . الْقِسْمُ الْأَوَّلُ غَيْرُ الْعَامِلَةِ وَتَجِيءُ لِعَشْرَةِ مَعَانٍ : مُعَرِّفَةٍ ، وَدَالَّةٍ عَلَى الْبُعْدِ ، وَمُخَفَّفَةٍ ، وَفَارِقَةٍ ، وَمُحَقِّقَةٍ ، وَمُوجِبَةٍ ، وَمُؤَكِّدَةٍ ، وَمُتَمِّمَةٍ ، وَمُوَجِّهَةٍ ، وَمَسْبُوقَةٍ ، وَالْمُؤْذِنَةِ ، وَالْمُوَطِّئَةِ . فَالْمُعَرِّفَةُ الَّتِي مَعَهَا أَلِفُ الْوَصْلِ ، عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْمُعَرِّفَةَ اللَّامَ وَحْدَهَا ، وَيُنْسَبُ لِسِيبَوَيْهِ . وَذَهَبَ الْخَلِيلُ إِلَى أَنَّهُ ثُنَائِيٌّ ، وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ ، وُصِلَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ . وَتَنْقَسِمُ الْمُعَرِّفَةُ إِلَى عَهْدِيَّةٍ وَاسْتِغْرَاقِيَّةٍ ، وَقَدْ سَبَقَا فِي قَاعِدَةِ التَّنْكِيرِ وَالتَّعْرِيفِ ، وَزَادَ قَوْمٌ طَلَبَ الصِّلَةِ ، وَجُعِلَ مِنْهُ : رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ ( الْكَهْفِ : 71 ) فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ( يُوسُفَ : 17 ) . وَلِلْإِضْمَارِ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ( النَّازِعَاتِ : 39 ) ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِضْمَارَ بَعْدَهَا مُرَادٌ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِ ، فَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ : هِيَ مَأْوَاهُ ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ : هِيَ الْمَأْوَى لَهُ . وَاللَّامُ فِي التَّعْرِيفِ مُرَقَّقَةٌ إِلَّا فِي اسْمِ اللَّهِ فَيَجِبُ تَفْخِيمُهَا إِذَا كَانَ قَبْلَهَا ضَمَّةٌ ، أَوْ فَتْحَةٌ ، وَهِيَ فِي الْأَسْمَاءِ تَفْخِيمُ الْجَرْسِ ، وَفِي الْمَعْنَى تَوْقِيرُ الْمُسَمَّى وَتَعْظِيمُهُ سُبْحَانَهُ . وَالدَّالَّةُ عَلَى الْبُعْدِ الدَّاخِلَةُ عَلَى أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ ، إِعْلَامًا بِالْبُعْدِ أَوْ تَوْكِيدًا لَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ . وَالْمُخَفِّفَةُ الَّتِي يَجُوزُ مَعَهَا تَخْفِيفُ إِنَّ الْمُشَدَّدَةِ ، نَحْوُ : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ( الطَّارِقِ : 4 ) . وَتُسَمَّى لَامُ الِابْتِدَاءِ ، وَالْفَارِقَةُ لِأَنَّهَا تُفَرِّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ إِنِ النَّافِيَةِ . وَالْمُخَفِّفَةُ هِيَ الَّتِي تُحَقِّقُ الْخَبَرَ مَعَ الْمُبْتَدَأِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ ( الشُّورَى : 43 ) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ( التَّوْبَةِ : 128 ) . وَالْمُوجِبَةُ بِمَعْنَى إِلَّا عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ( يس : 32 ) وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ( الزُّخْرُفِ : 35 ) أَيْ : مَا كَلٌّ ، فَجَعَلُوا : إِنْ بِمَعْنَى مَا ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى إِلَّا فِي الْإِيجَابِ . وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ : وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ( إِبْرَاهِيمَ : 46 ) بِالرَّفْعِ وَالْمُرَادُ : وَمَا كَانَ مَكْرُهُمْ إِلَّا لِتَزُولَ مِنْهُ . وَالْمُؤَكِّدَةُ وَهِيَ الزَّائِدَةُ أَوَّلَ الْكَلَامِ ، وَتَقَعُ فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْمُبْتَدَأُ وَتُسَمَّى لَامُ الِابْتِدَاءِ ، فَيُؤْذَنُ بِأَنَّهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ ، قَالَ تَعَالَى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ( التَّوْبَةِ : 108 ) لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ ( يُوسُفَ : 8 ) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً ( الْحَشْرِ : 13 ) . ثَانِيهِمَا : فِي بَابِ " إِنَّ " عَلَى اسْمِهَا إِذَا تَأَخَّرَ ، نَحْوُ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً ( النَّازِعَاتِ : 26 ) . وَعَلَى خَبَرِهَا ، نَحْوُ : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ( الْفَجْرِ : 14 ) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ ( هُودٍ : 75 ) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( الْبُرُوجِ : 12 ) . فَـ " إِنَّ " فِي هَذَا تَوْكِيدٌ لِمَا يَلِيهَا ، وَاللَّامُ لِتَوْكِيدِ الْخَبَرِ ، وَكَذَا فِي " أَنَّ " الْمَفْتُوحَةِ ، كَقِرَاءَةِ سَعِيدٍ : إِلَّا أَنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ( الْفُرْقَانِ : 20 ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، فَإِنَّهُ أَلْغَى اللَّامَ ، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى " إِنَّ " الْمَكْسُورَةِ ، أَوْ عَلَى مَا يَتَّصِلُ بِالْخَبَرِ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ، نَحْوُ : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ( الْحِجْرِ : 72 ) فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ : لَيَعْمَهُونَ فِي سَكْرَتِهِمْ . وَاخْتُلِفَ فِي اللَّامِ فِي قَوْلِهِ : لَمَنْ ضَرُّهُ ( الْحَجِّ : 13 ) فَقِيلَ هِيَ مُؤَخَّرَةٌ ، وَالْمَعْنَى يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ . وَجَازَ تَقْدِيمُهَا وَإِيلَاؤُهَا الْمَفْعُولَ ، لِأَنَّهَا لَامُ التَّوْكِيدِ وَالْيَمِينِ ، فَحَقُّهَا أَنْ تَقَعَ صَدْرَ الْكَلَامِ . وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ اللَّامَ فِي صِلَةِ " مَنْ " فَتَقَدُّمُهَا عَلَى الْمَوْصُولِ مُمْتَنِعٌ ، وَأَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأَنَّهَا حَرْفٌ لَا يُفِيدُ غَيْرَ التَّوْكِيدِ ، وَلَيْسَتْ بِعَامِلَةٍ كَـ " مِنَ " الْمُؤَكِّدَةِ فِي نَحْوِ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ ، دُخُولُهَا وَخُرُوجُهَا سَوَاءٌ ، وَلِهَذَا جَاءَ تَقْدِيمُهَا . وَيَجُوزُ أَلَّا تَكُونَ هُنَا مَوْصُولَةً ، بَلْ نَكِرَةً ، وَلِهَذَا قَالَ الْكِسَائِيُّ : اللَّامُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، وَ " مَنْ " فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " يَدْعُو " ، وَالتَّقْدِيرُ : يَدْعُو مَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ، أَيْ يَدْعُو إِلَهًا ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفَعِهِ . قَالَ الْمُبَرِّدُ : يَدْعُو فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ فِي حَالِ دُعَائِهِ إِيَّاهُ ، وَقَوْلِهِ : لَمَنْ مُسْتَأْنَفٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ ، وَقَوْلِهِ : ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ( الْحَجِّ : 13 ) فِي صِلَتِهِ ، وَ لَبِئْسَ الْمَوْلَى ( الْحَجِّ : 13 ) خَبَرُهُ . وَهَذَا يَسْتَقِيمُ لَوْ كَانَ فِي مَوْضِعِ " يَدْعُو " يُدْعَى ، لَكِنَّ مَجِيئَهُ بِصِيغَةِ فِعْلِ الْفَاعِلِ ، وَلَيْسَ فِيهِ ضَمِيرُهُ يُبْعِدُهُ . وَالْمُتَمِّمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ( الْإِسْرَاءِ : 42 ) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ( الْإِسْرَاءِ : 75 ) فَاللَّامُ هُنَا لِتَتْمِيمِ الْكَلَامِ . قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : " إِذَنْ " دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا جَوَابٌ وَجَزَاءٌ . وَالْمُوَجَّهَةُ فِي جَوَابِ " لَوْلَا " كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ( الْإِسْرَاءِ : 74 ) فَاللَّامُ فِي " لَقَدْ " تُوَجَّهُ لِلتَّثْبِيتِ . وَسَمَّاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ مُؤْذِنَةً " لِأَنْ " لِيُؤْذَنَ بِأَنَّ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ هُوَ اللَّازِمُ لِمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ نَحْوُ : إِنْ جِئْتَنِي لَأَكْرَمْتُكَ ، فَاللَّامُ مُؤْذِنَةٌ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ اللَّازِمِ الْمَجِيءِ . وَالْمَسْبُوقَةُ فِي جَوَابِ لَوْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا ( الْوَاقِعَةِ : 65 ) أَيْ تُفِيدُ تَأَخُّرُهُ لِأَشَدِّ الْعُقُوبَةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ( يُونُسَ : 24 ) وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ : لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا ( الْوَاقِعَةِ : 70 ) بِغَيْرِ لَامٍ ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ التَّعْجِيلَ ، أَيْ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا لِوَقْتِهِ . وَالْمُؤْذِنَةُ الدَّاخِلَةُ عَلَى أَدَاةِ الشَّرْطِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْقَسَمِ لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا ، لِتُؤْذِنَ أَنَّ الْجَوَابَ لَهُ لَا لِلشَّرْطِ ، أَوْ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ مَا بَعْدَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَسَمٍ قَبْلَهَا . وَتُسَمَّى الْمُوَطِّئَةَ لِأَنَّهَا وَطَّأَتِ الْجَوَابَ لِلْقَسَمِ أَيْ مَهَّدَتْهُ . وَقَوْلُ الْمُعْرِبِينَ : إِنَّهَا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ فِيهِ تَجَوُّزٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ مُوَطِّئَةٌ لِجَوَابِهِ كَقَوْلِهِ : لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ( الْحَشْرِ : 12 ) وَلَيْسَتْ جَوَابًا لِلْقَسَمِ ، وَإِنَّمَا الْجَوَابُ مَا يَأْتِي بَعْدَ الشَّرْطِ ، وَيَجْمَعُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ قَوْلُكَ : لَامُ الْجَوَابِ . وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا ( الْعَلَقِ : 15 ) فَاللَّامُ فِي لَئِنْ مُؤْذِنَةٌ بِالْقَسَمِ ، وَقَوْلِهِ : نَسْفَعًا جَوَابُ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ ، تَقْدِيرُهُ : وَاللَّهِ لَنَسْفَعَنْ . وَمِنْ جَوَابِ الْقَسَمِ قَوْلُهُ : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ( الْبَقَرَةِ : 87 وَالْقَصَصِ : 43 ) وَزَعَمَ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهَا لَامُ التَّوْكِيدِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، وَقَدْ قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي الْبَسِيطِ : إِنَّهَا لَامُ الْقَسَمِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَامَ ابْتِدَاءٍ ، لِأَنَّ لَامَ الِابْتِدَاءِ لَا تَلْحَقُ إِلَّا الْأَسْمَاءَ ، وَمَا يَكُونُ بِمَنْزِلَتِهَا كَالْمُضَارِعِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية