الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير الآيات من 21 إلى 41

التفسير:

قوله تعالى: إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس الآية.

روى أبو عبيدة ابن الجراح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر; فقتلوا جميعا في آخر النهار [ ص: 31 ] من ذلك اليوم، وهم الذين ذكر الله عز وجل في هذه الآية".

(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) أي: حظا (يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم) الآية.

روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى كتاب الله عز وجل، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: "على ملة إبراهيم ودينه"، قالا: فإن إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: "فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم"، فأبيا من ذلك، فنزلت الآية.

وقوله: (وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) : قال قتادة : غرهم قولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه) [المائدة: 18].

مجاهد : غرهم قولهم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون .

(فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه) أي: كيف يكون حالهم إذا جمعناهم؟ (قل اللهم مالك الملك) : الميم في (اللهم) في قول الخليل: بدل من ياء النداء; ولذلك لم تستعمل (اللهم) في الخبر.

[ ص: 32 ] الفراء : الأصل: (يا ألله امنا بخير) ، فطرحت حركة الهمزة على ما قبلها، وحذفت الهمزة، وأنشد في اجتماعها مع (يا) : [من الرجز]

وما عليك أن تقولي كلما


صليت أو سبحت يا اللهما ما


اردد علينا شيخنا مسلما

وقال: إنما تزاد الميم مخففة في (فم) أو (ابنم) .

قال غيره: زيدت مشددة في (اللهم) ; لأنها عوض من (يا) ; وهي حرفان، فجعل العوض حرفين.

و (الملك) ههنا: النبوة، عن مجاهد ، وقيل: الغلبة، وقيل: المال والعبيد.

الزجاج : المعنى: مالك العباد وما ملكوه.

وقيل: المعنى: مالك الدنيا والآخرة.

الحسن ، وقتادة : سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يجعل لأمته ملك فارس والروم; فنزلت الآية.

وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بفتح الشام وملك قيصر وكسرى، [ ص: 33 ] فأنكرت اليهود ذلك; فنزلت الآية) .

ومعنى (تؤتي الملك من تشاء) أي: من تشاء أن تؤتيه إياه، وكذلك ما بعده لا بد فيه من تقدير الحذف.

(بيدك الخير) أي: الخير والشر، فحذف، كما قال تعالى: (سرابيل تقيكم الحر) [النحل: 81].

وقيل: خص الخير; لأنه موضع رغبة في فضله.

(تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل) أي: تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر، روي معناه عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وغيرهما.

(وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) قيل: الحي من النطفة، والنطفة من الحي، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، عن ابن مسعود ، ومجاهد ، وغيرهما.

الحسن : المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.

عكرمة والسدي : النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض.

(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) : قال ابن عباس : نهى الله عز وجل المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، ومثله: (لا تتخذوا بطانة من دونكم) [آل عمران: 118]، ونظائره، ومعنى (من دون المؤمنين) : من مكان دون مكان المؤمنين; وهو مكان الكفار.

ومعنى (فليس من الله في شيء) : فليس من حزب الله في شيء.

[ ص: 34 ] (إلا أن تتقوا منهم تقاة) : قال ابن عباس : هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يقتل، ولا يأتي مأثما.

الحسن : التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل.

وأصل (تقاة) : (وقية) ، قلبت الواو تاء، والياء ألفا.

وروي: أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين تكلم ببعض ما أراده منه المشركون; خوفا أن يقتلوه، وفي حاطب بن أبي بلتعة حين كتب الكتاب إلى المشركين بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم; ليحفظوه في أهله وماله.

(ويحذركم الله نفسه) أي: عقابه.

[عن ابن عباس ، والحسن ، وغيرهما: المعنى:يحذركم إياه.

ولا يحسن أن يقال ابتداء: أعلم ما في نفسي، وإنما ساغ في الآية;لازدواج الكلام.

و (النفس) في اللغة تنصرف إلى معان: نفس الحيوان، وذات الشيء الذي تخبر عنه، والأنفة; كقولهم: (ما لفلان نفس) ، والإرادة; كقولهم: (نفس فلان كذا) أي: إرادته، والعين التي تصيب الإنسان، والنفوس: الذي يصيب الناس [ ص: 35 ] بالعين، والنفس: الغيب، سمي نفسا; لخفائه كخفاء نفس الإنسان، والنفس من الدباغ: بمقدار الدبغة، يقال: أعطني نفسا; أي: قدر ما أدبغ به مرة.

(وإلى الله المصير) أي: وإلى جزاء الله المصير.

(قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض) أي: من يعلم ما في السماوات وما في الأرض لا يخفى عليه ما في أنفسكم.

(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا) : يجوز أن يكون متصلا بقوله: [(على كل شيء قدير) أي: قدير في ذلك اليوم، ويجوز أن يكون متصلا بقوله]: (ويحذركم الله نفسه) ، [ويجوز أن يكون منقطعا على إضمار (اذكر) ].

(والله رءوف بالعباد) ، أي: في إنذاره إياهم.

(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) : محبة العبد لله تعالى: عمله بطاعته، وانتهاؤه عن معصيته، ومحبة الله العبد: رحمته إياه.

ونزلت هذه الآية - فيما روي- في وفد نجران; إذ زعموا أن ما ادعوه في عيسى عليه السلام حب لله عز وجل، قاله محمد بن جعفر بن الزبير .

الحسن ، وابن جريج : نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا: نحن الذين [ ص: 36 ] نحب ربنا.

(إن الله اصطفى آدم ونوحا) أي: اختارهم لدينه; فالتقدير: (اصطفى دينهم) ، فحذف المضاف.

الزجاج : اختارهم للنبوة على عالم زمانهم.

وقال (وآل إبراهيم ) : هم المؤمنون، عن ابن عباس والحسن .

(وآل عمران) : قيل: يعني بهم: آل إبراهيم ، كما قال: (ذرية بعضها من بعض) ، وقيل: المراد: عيسى; لأن أمه بنت عمران.

(ذرية بعضها من بعض) قيل: يعني: في التناصر في الدين، كما قال: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) [التوبة: 17]; يعني: في الضلال، قاله الحسن وقتادة .

وقيل: المراد به: التناسل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث