الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب السؤال عن نعيم الأكل والشرب

جزء التالي صفحة
السابق

3799 باب: السؤال عن نعيم الأكل والشرب

وقال النووي : (باب جواز استتباعه غيره ؛ إلى دار من يثق برضاه بذلك ، ويتحققه تحققا تاما . واستحباب الاجتماع على الطعام) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 210 : 214 ج 13 المطبعة المصرية

[عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر. فقال "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟" قالا: الجوع. يا رسول الله! قال: "وأنا. والذي نفسي بيده! لأخرجني الذي أخرجكما. قوموا". فقاموا معه. فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته. فلما رأته المرأة قالت: مرحبا! وأهلا! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم! أين فلان؟" قالت: ذهب يستعذب لنا من [ ص: 568 ] الماء. إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله. ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني . قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب. فقال: كلوا من هذه. وأخذ المدية. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياك! والحلوب" فذبح لهم. فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق. وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده! لتسألن عن هذا النعيم، يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع. ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" ].

التالي السابق


(الشرح)

( عن أبي هريرة) رضي الله عنه ؛ ( قال : خرج رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم ، ذات يوم أو ليلة ، فإذا هو بأبي بكر وعمر) رضي الله عنهما . ( فقال : " ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟ " قالا : الجوع. يا رسول الله ! قال : وأنا . والذي نفسي بيده ! لأخرجني الذي أخرجكما) .

فيه : ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكبار الصحابة ؛ من التقلل من الدنيا . وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش ؛ في أوقات . وقد زعم بعض الناس : أن هذا ، كان قبل فتح الفتوح والقرى عليهم . قال النووي : وهذا زعم باطل . فإن راوي الحديث " أبو هريرة " ، ومعلوم : أنه أسلم بعد فتح خيبر . فإن قيل : لا يلزم من كونه رواه ؛ أن يكون أدرك [ ص: 569 ] القضية . فلعله سمعها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو من غيره . فالجواب : أن هذا خلاف الظاهر . ولا ضرورة إليه . بل الصواب خلافه . وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لم يزل يتقلب في اليسار والقلة ، حتى توفي . فتارة يوسر ، وتارة ينفد ما عنده . كما ثبت في الصحيح : " عن أبي هريرة ، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من الدنيا ، ولم يشبع من خبز الشعير". و"عن عائشة رضي الله عنها ، ما شبع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، منذ قدم المدينة من طعام ؛ ثلاث ليال تباعا ، حتى قبض . وتوفي ودرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله " . وغير ذلك مما هو معروف . فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم : في وقت يوسر . ثم بعد قليل ينفد ما عنده ؛ لإخراجه في طاعة الله : من وجوه البر ، وإيثار المحتاجين ، وضيافة الطارقين ، وتجهيز السرايا ، وغير ذلك . وهكذا كان خلق صاحبيه " رضي الله عنهما " ، بل أكثر أصحابه . وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار : مع برهم له صلى الله عليه وآله وسلم، وإكرامهم إياه ، وإتحافه بالطرف وغيرها ؛ ربما لم يعرفوا حاجته في بعض الأحيان ، لكونهم لا يعرفون فراغ ما كان عنده من القوت ، بإيثاره به . ومن علم ذلك منهم ؛ ربما كان ضيق الحال في ذلك الوقت . كما جرى لصاحبيه .

[ ص: 570 ] ولا يعلم أحد من الصحابة رضي الله عنهم " ، حاجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو متمكن من إزالتها : إلا بادر إلى إزالتها . لكن كان صلى الله عليه وآله وسلم ، يكتمها عنهم ؛ إيثارا لتحمل المشاق ، وحملا عنهم . وقد بادر أبو طلحة " حين قال : سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أعرف فيه الجوع": إلى إزالة تلك الحالة . وكذا حديث جابر . وكذا حديث أبي شعيب : "أنه عرف في وجهه صلى الله عليه وآله وسلم : الجوع، فبادر بصنيع الطعام ". وأشباه هذا كثيرة في الصحيح ، مشهورة . وكذلك كانوا يؤثرون ، بعضهم بعضا . ولا يعلم أحد منهم ضرورة صاحبه ؛ إلا سعى في إزالتها . وقد وصفهم الله سبحانه بذلك ؛ فقال في كتابه العزيز : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) . وقال : ( رحماء بينهم ) .

وأما قولهما : أخرجنا الجوع . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : أخرجني الذي أخرجكما ؛ فمعناه : أنهما لما كانا عليه : من مراقبة الله تعالى ، ولزوم طاعته ، والاشتغال به ؛ فعرض لهما هذا الجوع [ ص: 571 ] الذي يزعجهما ويقلقهما ، ويمنعهما من كمال النشاط للعبادة ، وتمام التلذذ بها ؛ سعيا في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح يدفعانه به . وهذا من أكمل الطاعات ، وأبلغ أنواع المراقبات . وقد نهى عن الصلاة مع : مدافعة الأخبثين ، وبحضرة طعام تتوق النفس إليه ، وفي ثوب له أعلام ، وبحضرة المتحدثين . وغير ذلك مما يشغل قلبه . ونهى القاضي عن القضاء : في حال غضبه ، وجوعه ، وهمه ، وشدة فرحه ، وغير ذلك مما يشغل قلبه ويمنعه كمال الفكر . والله أعلم .

وفي الحديث : جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه ، لا على سبيل التشكي وعدم الرضا ؛ بل للتسلية والتصبر ، كفعله صلى الله عليه وآله وسلم ، هنا . ولالتماس دعاء ، أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض . فهذا كله ليس بمذموم . إنما يذم ما كان تشكيا وتسخطا وتجزعا.

وفيه : جواز الحلف من غير استحلاف .

( قوموا . فقاموا معه) . هكذا هو في الأصول ، بضمير الجمع . وهو جائز بلا خلاف . لكن الجمهور يقولون : إطلاقه على الاثنين مجاز . وآخرون يقولون : حقيقة .

[ ص: 572 ] ( فأتى رجلا من الأنصار) ، " هو أبو الهيثم : مالك بن التيهان " بفتح التاء وتشديد الياء .

وفيه : جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به ، واستتباع جماعة إلى بيته .

وفيه : منقبة لأبي الهيثم ؛ إذ جعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أهلا لذلك . وكفى به شرفا ذلك .

( فإذا هو ليس في بيته . فلما رأته المرأة قالت : مرحبا ! وأهلا !) كلمتان معروفتان للعرب . ومعناهما : صادفت رحبا وسعة ، وأهلا تأنس بهم .

وفيه : استحباب إكرام الضيف بهذا القول وشبهه ، وإظهار السرور بقدومه ، وجعله أهلا لذلك . كل هذا وشبهه : إكرام للضيف . وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ فليكرم ضيفه .

وفيه : جواز سماع كلام الأجنبية ، ومراجعتها الكلام للحاجة . وجواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها ؛ لمن علمت علما محققا أنه لا يكرهه . بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة .

[ ص: 573 ] ( فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله ( وسلم : " أين فلان ؟ " قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء) . أي : يأتينا بماء عذب . وهو الطيب .

وفيه : جواز استعذابه وتطييبه .

( إذ جاء الأنصاري ، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم ، وصاحبيه ، ثم قال : الحمد لله . ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني) .

فيه : استحباب حمد الله ؛ عند حصول نعمة ظاهرة . وكذا يستحب ؛ عند اندفاع نقمة متوقعة . وفي غير ذلك من الأحوال . قال النووي : وقد جمعت في ذلك قطعة صالحة ؛ في كتاب الأذكار .

وفيه : استحباب إظهار البشر والفرح بالضيف " في وجهه "، وحمد الله تعالى " وهو يسمع " على حصول هذه النعمة ، والثناء على ضيفه : إن لم يخف عليه فتنة . فإن خاف لم يثن عليه في وجهه . وهذا طريق الجمع بين الأحاديث الواردة بجواز ذلك ومنعه . وقد جمعتها مع بسط الكلام فيها ؛ في كتاب " الأذكار " .

وفيه : دليل على كمال فضيلة هذا الأنصاري ، وبلاغته وعظيم [ ص: 574 ] معرفته ؛ لأنه أتى بكلام مختصر بديع في الحسن ؛ في هذا الموطن . رضي الله تعالى عنه .

( قال : فانطلق ، فجاءهم بعذق ، فيه بسر وتمر ورطب . فقال : كلوا من هذه) .

"العذق " هنا بكسر العين . وهي الكباسة . وهي الغصن من النخل .

وإنما أتى بهذا العذق الملون ؛ ليكون أطرف . وليجمعوا بين أكل الأنواع. فقد يطيب لبعضهم هذا . ولبعضهم هذا .

وفيه : دليل على استحباب تقديم الفاكهة ، على الخبز واللحم ، وغيرهما .

وفيه : استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر ، وإكرامه بعده بطعام يصنعه له . لا سيما إن غلب على ظنه حاجته في الحال إلى الطعام . وقد يكون شديد الحاجة إلى التعجيل . وقد يشق عليه انتظار ما يصنع له لاستعجاله للانصراف .

[ ص: 575 ] وقد كره جماعة من السلف : التكلف للضيف . وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة . لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف . وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف . وقد حضر شيئا يعرف الضيف من حاله أنه يشق عليه ، وأنه يتكلفه له ؛ فيتأذى الضيف لشفقته عليه. وكل هذا مخالف لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ فليكرم ضيفه " . لأن أكمل إكرامه : إراحة خاطره ، وإظهار السرور به .

وأما فعل الأنصاري وذبحه الشاة كما يأتي في الحديث ؛ فليس مما يشق عليه . بل لو ذبح أغناما بل جمالا ، وأنفق أموالا : في ضيافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وصاحبيه " رضي الله عنهما " : كان مسرورا بذلك ، مغبوطا فيه . والله أعلم . كذا قال النووي .

( وأخذ المدية . فقال له رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم :" إياك ! والحلوب ") .

" المدية " بضم الميم وكسرها : هي السكين . " والحلوب " : ذات اللبن . " فعول " بمعنى " مفعول " ؛ كركوب بمعنى "مركوب" ، ونظائره .

( فذبح لهم . فأكلوا من الشاة ، ومن ذلك العذق . وشربوا . فلما أن شبعوا ورووا ؛ قال رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم ، لأبي بكر [ ص: 576 ] وعمر) رضي الله عنهما : ( والذي نفسي بيده ! لتسألن على هذا النعيم ؛ يوم القيامة) .

فيه : دليل على جواز الشبع . وما جاء في كراهة الشبع ؛ فمحمول على المداومة عليه ، لأنه يقسي القلب وينسي أمر المحتاجين .

وأما السؤال عن هذا النعيم ؛ فقال عياض : المراد : السؤال عن القيام بحق شكره . قال النووي : والذي نعتقده : أن السؤال هنا ؛ سؤال تعداد النعم ، وإعلام بالامتنان بها ، وإظهار الكرامة بإسباغها . لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة . والله أعلم . انتهى .

قلت : وفي القرآن الكريم : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) . . ( أخرجكم من بيوتكم الجوع. ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم) .

وفي رواية أخرى : "بينا أبو بكر قاعد ، وعمر معه : إذ أتاهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : ما أقعدكما ههنا ؟ قالا : أخرجنا الجوع من بيوتنا . والذي بعثك بالحق ! " ثم ذكر الحديث بنحو ما تقدم .

وفيه : أن مع العسر يسرا . لأن الله تعالى أخرجهم جياعا ، وأرجعهم بطانا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث