الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              5360 [ ص: 477 ] باب: الخمر من خمسة أشياء

                                                                                                                              وأورده النووي في الجزء الخامس ، ( في كتاب التفسير) .

                                                                                                                              حديث الباب

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 165 ج 18 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن ابن عمر، قال: خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد! ألا، وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل، وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل.

                                                                                                                              والخمر ما خامر العقل. وثلاثة أشياء وددت، أيها الناس! أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيها: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا].


                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              ( عن ابن عمر) رضي الله عنهما ؛ ( قال : خطب عمر) رضي الله عنه ( على منبر رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه . ثم قال : أما بعد ! ألا ، وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل) .

                                                                                                                              أراد بنزول تحريم الخمر : نزول قوله تعالى : ( إنما الخمر والميسر ) الآية .

                                                                                                                              [ ص: 478 ] ( وهي من خمسة أشياء) . يعني : أن المراد بالخمر في هذه الآية : ليس خاصا بالمتخذ من العنب ، بل يتناول المتخذ من غيرها ؛ ( من الحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب ، والعسل) . وفي رواية أخرى : "من العنب " موضع : " الزبيب".

                                                                                                                              وفي حديث " نعمان بن بشير " ؛ يرفعه : " إن من الحنطة خمرا . ومن الشعير خمرا . ومن الزبيب خمرا . ومن التمر خمرا . ومن العسل خمرا " . رواه الخمسة ، إلا النسائي . زاد أحمد ، وأبو داود : " وأنا أنهى عن كل مسكر " .

                                                                                                                              وفي رواية أخرى " عن النعمان " ؛ عند أصحاب السنن ، وصححه ابن حبان : " قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول : إن الخمر من العصير ، والزبيب ، والتمر ، والحنطة ، والشعير ، والذرة " .

                                                                                                                              ولأحمد من حديث أنس ، بسند صحيح : " قال : الخمر من العنب ، والتمر ، والعسل ، والحنطة ، والشعير ، والذرة " .

                                                                                                                              ( والخمر : ما خامر العقل) . أي : غطاه ، أو خالطه ، فلم يتركه على حاله . وهو مجاز . " والعقل " : هو آلة التمييز . فلذلك حرم ما غطاه ، أو غيره . لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده ، ليقوموا بحقوقه . قال الكرماني : هذا تعريف بحسب اللغة . وأما بحسب العرف : فهو ما يخامر العقل ، من عصير العنب خاصة . قال الحافظ : وفيه نظر . لأن "عمر " ليس في مقام تعريف اللغة، بل هو في مقام تعريف [ ص: 479 ] الحكم الشرعي . فكأنه قال : الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع : هو ما خامر العقل . على أن عند أهل اللغة اختلافا في ذلك . ولو سلم : أن الخمر في اللغة يختص بالمتخذ من العنب ، فالاعتبار بالحقيقة الشرعية . وقد تواترت الأحاديث على أن المسكر ، من المتخذ من غير العنب : يسمى خمرا . والحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية . وتقدم حديث " أبي هريرة" ، مرفوعا : " الخمر من هاتين الشجرتين . إلخ " . وتقدم : أنه ليس المراد الحصر في الأمرين المذكورين . قال الراغب : الخمر عند بعض الناس : اسم لكل مسكر . وعند بعضهم : للمتخذ من العنب خاصة . أو منه ومن التمر . أو لغير المطبوخ . ورجح أنه لكل شيء ستر العقل . وكذا قال غير واحد من أهل اللغة . منهم : الدينوري ، والجوهري .

                                                                                                                              وذهب صاحب الهداية من الحنفية : إلى تخصيص اسم "الخمر ": بما اعتصر من ماء العنب ، إذا اشتد . واستدل لذلك بأدلة ، أجاب عنها الحافظ في الفتح ، والشوكاني في النيل .

                                                                                                                              وقال القرطبي : الأحاديث الواردة في هذا الباب ، تبطل مذهب الكوفيين . قال : وهو قول مخالف للغة العرب ، والسنة الصحيحة ، وللصحابة . لأنهم لما نزل تحريم الخمر ؛ فهموا من الأمر [ ص: 480 ] باجتناب الخمر : تحريم كل مسكر . ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب ، وبين ما يتخذ من غيره . بل سووا بينهما . وحرموا كل نوع منهما . ولم يتوقفوا ، ولم يستفصلوا ، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك . بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب . وهم أهل اللسان ، وبلغتهم نزل القرآن . فلو كان عندهم فيه تردد : لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا ، ويستفصلوا ، ويتحققوا التحريم . لما كان قد تقرر عندهم النهي عن إضاعة المال . فلما لم يفعلوا ذلك ، بل بادروا إلى إتلاف الجميع : علمنا أنهم فهموا التحريم . ثم انضاف إلى ذلك : خطبة "عمر" بما يوافق ذلك . ولم ينكر عليه أحد من الصحابة . وقد ذهب إلى التعميم : علي ، وعمر ، وسعد ، وابن عمر ، وأبو موسى ، وأبو هريرة ، وابن عباس ، وعائشة . وهو قول مالك ، والأوزاعي ، والثوري ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد، وإسحاق . وعامة أهل الحديث . انتهى .

                                                                                                                              والكلام في ذلك ، يطول جدا . فإن شئت أن تقف على ما لها وما عليها : فراجع النيل ، والفتح ، وغيرهما .

                                                                                                                              ( وثلاثة أشياء ، وددت ، أيها الناس ! أن رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم كان عهد إلينا فيها : الجد، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا) . وفي لفظ : " عهد إلينا فيهن عهدا ، أنتهي إليه " . إلخ .




                                                                                                                              الخدمات العلمية