الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب مقام المطلقة في بيتها والمتوفى عنها

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 327 ] باب : مقام المطلقة في بيتها والمتوفى عنها من كتاب العدد وغيره .

( قال الشافعي ) رحمه الله قال الله تعالى في المطلقات { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } { وقال صلى الله عليه وسلم لفريعة بنت مالك حين أخبرته أن زوجها قتل وأنه لم يتركها في مسكن يملكه امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله } وقال ابن عباس الفاحشة المبينة أن تبدو على أهل زوجها فإذا بدت فقد حل إخراجها .

( قال الشافعي ) رحمه الله هو معنى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم مع ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها أرسلت إلى مروان في مطلقة انتقلها اتق الله واردد المرأة إلى بيتها قال مروان أما بلغك شأن فاطمة ؟ فقالت : لا عليك أن تذكر فاطمة فقال : إن كان بك شر فحسبك ما بين هذين من الشر وعن ابن المسيب تعتد المبتوتة في بيتها فقيل له : فأين حديث فاطمة بنت قيس ؟ فقال : قد فتنت الناس كانت في لسانها ذرابة فاستطالت على أحمائها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : فعائشة ومروان وابن المسيب يعرفون حديث فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم كما حدثت ويذهبون إلى أن ذلك إنما كان للشر وكره لها ابن المسيب وغيره أنها كتمت السبب الذي به أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت غير زوجها خوفا أن يسمع ذلك سامع فيرى أن للمبتوتة أن تعتد حيث شاءت .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى فلم يقل لها النبي صلى الله عليه وسلم اعتدي حيث شئت بل خصها إذ كان زوجها غائبا فبهذا كله أقول فإن طلقها فلها السكنى في منزله حتى تنقضي عدتها يملك الرجعة أو لا يملكها فإن كان بكراء فهو على المطلق وفي مال الزوج الميت ولزوجها إذا تركها فيما يسعها من المسكن وتستر بينه وبينها أن يسكن في سوى ما يسعها ، وقال في كتاب النكاح والطلاق : لا يغلق عليه وعليها حجرة إلا أن يكون معها ذو محرم بالغ من الرجال ، وإن كان على زوجها دين لم يبع مسكنها حتى تنقضي عدتها وذلك أنها ملكت عليه سكنى ما يكفيها حين طلقها كما يملك من يكتري ، وإن كان في منزل لا يملكه ولم يكتره فلأهله إخراجها وعليه غيره إلا أن يفلس فتضرب مع الغرماء بأقل قيمة سكناها وتتبعه بفضله متى أيسر ، وإن كانت هذه المسائل في موته ففيها قولان : أحدهما : ما وصفت ومن قاله احتج { بقول النبي صلى الله عليه وسلم لفريعة امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله } والثاني أن الاختيار للورثة أن يسكنوها فإن لم يفعلوا فقد ملكوا دونه فلا سكنى لها كما لا نفقة لها ، ومن قاله قال : إن { قول النبي صلى الله عليه وسلم لفريعة امكثي في بيتك ما لم يخرجك منه أهلك } ; لأنها وصفت أن المنزل ليس لزوجها .

( قال المزني ) هذا أولى بقوله ; لأنه لا نفقة لها حاملا وغير حامل وقد احتج بأن الملك قد انقطع عنه بالموت .

( قال المزني ) وكذلك قد انقطع عنه السكنى بالموت ، وقد أجمعوا أن من وجبت له نفقة وسكنى من ولد ووالد على رجل فمات انقطعت النفقة لهم والسكنى ; لأن ماله صار ميراثا لهم فكذلك امرأته وولده وسائر ورثته يرثون جميع ماله .

( قال ) ولورثته أن يسكنوها حيث شاءوا إذا كان موضعها حرزا وليس لها أن تمتنع وللسلطان أن يخصها حيث ترضى لئلا يلحق بالزوج من ليس له ، ولو أذن لها أن تنتقل فنقل متاعها وخدمها ولم تنتقل ببدنها حتى مات أو طلق اعتدت في بيتها الذي كانت [ ص: 328 ] فيه ، ولو خرج مسافرا بها أو أذن لها في الحج فزايلت منزله فمات أو طلقها ثلاثا فسواء لها الخيار في أن تمضي لسفرها ذاهبة وجائية وليس عليها أن ترجع إلى بيته قبل أن تقضي سفرها ولا تقيم في المصر الذي أذن لها في السفر إليه إلا أن يكون أذن لها في المقام فيه أو النقلة إليه فيكون ذلك عليها إذا بلغت ذلك المصر فإن كان أخرجها مسافرة أقامت ما يقيم المسافر مثلها ثم رجعت وأكملت عدتها ، ولو أذن لها في زيارة أو نزهة فعليها أن ترجع ; لأن الزيارة ليست مقاما ولا تخرج إلى الحج بعد انقضاء العدة ولا إلى مسيرة يوم إلا مع ذي محرم إلا أن يكون حجة الإسلام وتكون مع نساء ثقات ، ولو صارت إلى بلد أو منزل بإذنه ولم يقل لها : أقيمي ولا تقيمي ثم طلقها فقال : لم أنقلك وقالت : نقلتني فالقول قولها إلا أن تقر هي أنه كان للزيارة أو مدة تقيمها فيكون عليها أن ترجع وتعتد في بيته وفي مقامها قولان أحدهما أن تقيم إلى المدة كما جعل لها أن تقيم في سفرها إلى غاية .

( قال ) وتنتوي البدوية حيث ينتوي أهلها ; لأن سكن أهل البادية إنما هو سكنى مقام غبطة وظعن غبطة وإذا دلت السنة على أن المرأة تخرج من البذاء على أهل زوجها كان العذر في ذلك المعنى أو أكثر .

( قال ) ويخرجها السلطان فيما يلزمها فإذا فرغت ردها ويكتري عليه إذا غاب ولا نعلم أحدا بالمدينة فيما مضى أكرى منزلا إنما كانوا يتطوعون بإنزال منازلهم وبأموالهم مع منازلهم ، ولو تكارت فإن طلبت الكراء كان لها من يوم تطلبه وما مضى حق تركته فأما امرأة صاحب السفينة إذا كانت مسافرة معه فكالمرأة المسافرة إن شاءت مضت ، وإن شاءت رجعت إلى منزله فاعتدت به

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث