الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( قال الشافعي ) : ولو رهن عبدا قد صارت في عنقه جناية على آدمي أو في مال فالرهن مفسوخ ، ولو أبطل رب الجناية حقه ; لأنه كان أولى به بحق له في عنقه ولو كانت الجناية تساوي دينارا والعبد يساوي ألفا وهذا أكبر من أن يكون رهنه بحق ثم رهنه بعد الأول فلا يجوز الرهن [ ص: 194 ] الثاني ، ولو ارتهنه فقبضه ثم أقر الراهن أنه جنى قبل الرهن جناية ادعى بها ففيها قولان . أحدهما : أن القول قول الراهن ; لأنه أقر بحق في عنق عبده ولا تبرأ ذمته من دين المرتهن ، وقيل يحلف المرتهن ما علم فإذا حلف كان القول في إقرار الراهن بأن عبده جنى قبل أن يرهنه واحدا من قولين . أحدهما : أن العبد رهن ولا يؤخذ من ماله شيء ، وإن كان موسرا ; لأنه إنما أقر في شيء واحد بحقين لرجلين أحدهما من قبل الجناية والآخر من قبل الرهن ، وإذا فك من الرهن ، وهو له فالجناية في رقبته بإقرار سيده إن كانت خطأ أو شبه عمد لا قصاص ، وإن كانت عمدا فيها قصاص لم يقبل قوله على العبد إذا لم يقر بها .

والقول الثاني : أنه إذا كان موسرا أخذ من السيد الأقل من قيمة العبد أو أرش الجناية فيدفع إلى المجني عليه ; لأنه يقر بأن في عنق عبده حقا أتلفه على المجني عليه برهنه إياه وكان كمن أعتق عبده ، وقد جنى وهو موسر أو أتلفه أو قتله فيضمن الأقل من قيمته أو أرش الجناية وهو رهن بحاله ، وإنما أتلف على المجني عليه لا على المرتهن ، وإن كان معسرا فهو رهن بحاله ومتى خرج من الرهن وهو في ملكه فالجناية في عنقه ، وإن خرج من الرهن ببيع ففي ذمة سيده الأقل من قيمته أو أرش جنايته .

( قال المزني ) : قلت أنا : وهذا أصحها وأشبهها بقوله ; لأنه هو والعلماء مجمعة أن من أقر بما يضره لزمه ، ومن أقر بما يبطل به حق غيره لم يجز على غيره ، ومن أتلف شيئا لغيره فيه حق فهو ضامن بعدوانه ، وقد قال : إن لم يحلف المرتهن على علمه كان المجني عليه أولى به منه ، وقد قال الشافعي بهذا المعنى لو أقر أنه أعتقه لم يضر المرتهن فإن كان موسرا أخذت منه قيمته فجعلت رهنا مكانه ولو كان معسرا بيع في الرهن .

( قال ) : ومتى رجع إليه عتق ; لأنه مقر أنه حر .

( قال الشافعي ) : ولو جنى بعد الرهن ثم برئ من الجناية بعفو أو صلح أو غيره فهو على حاله رهن ; لأن أصل الرهن كان صحيحا ولو دبره ثم رهنه كان الرهن مفسوخا ; لأنه أثبت له عتقا قد يقع قبل حلول الرهن فلا يسقط العتق ، والرهن غير جائز وليس له أن يرجع في التدبير إلا بأن يخرجه من ملكه . ولو قال له إن دخلت الدار فأنت حر ثم رهنه كان هكذا .

التالي السابق


الخدمات العلمية