الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من يجب قتاله من أهل البغي والسيرة فيهم

جزء التالي صفحة
السابق

ولو استعان أهل البغي بأهل الحرب على قتال أهل العدل قتل أهل الحرب ، وسبوا ولا يكون هذا أمانا إلا على الكف فأما على قتال أهل العدل فلو كان لهم أمان فقاتلوا أهل العدل كان نقضا لأمانهم ، وإن كانوا أهل ذمة فقد قيل : ليس هذا نقضا للعهد قال : وأرى إن كانوا [ ص: 365 ] مكرهين أو ذكروا جهالة فقالوا : كنا نرى إذا حملتنا طائفة من المسلمين على أخرى أن دمها يحل كقطاع الطريق أو لم نعلم أن من حملونا على قتاله مسلم لم يكن هذا نقضا للعهد وأخذوا بكل ما أصابوا من دم ومال وذلك أنهم ليسوا بمؤمنين الذين أمر الله بالإصلاح بينهم وإن أتى أحدهم تائبا لم يقص منه ; لأنه مسلم محرم الدم .

( قال الشافعي ) وقال لي قائل : ما تقول فيمن أراد دم رجل أو ماله أو حريمه ؟ قلت : يقاتله وإن أتى القتل على نفسه إذا لم يقدر على دفعه إلا بذلك ، وروي حديث النبي صلى الله عليه وسلم { لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير نفس } قلت : هو كلام عربي ومعناه إذا أتى واحدة من الثلاث حل دمه فمعناه كان رجلا زنى محصنا ثم ترك الزنا وتاب منه وهرب فقدر عليه قتل رجما أو قتل عمدا وترك القتل وتاب منه وهرب ثم قدر عليه قتل قودا ، وإذا كفر ثم تاب فارقه اسم الكفر وهذان لا يفارقهما اسم الزنا والقتل ولو تابا وهربا .

( قال ) ولا يستعان عليهم بمن يرى قتلهم مدبرين ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين وذلك أنه تحل دماؤهم مقبلين ومدبرين ولا يعين العادل إحدى الطائفتين الباغيتين وإن استعانته على الأخرى حتى ترجع إليه ولا يرمون بالمنجنيق ولا نار إلا أن تكون ضرورة بأن يحاط بهم فيخافوا الاصطدام أو يرمون بالمنجنيق فيسعهم ذلك دفعا عن أنفسهم وإن غلبوا على بلاد فأخذوا صدقات أهلها وأقاموا عليهم الحدود لم تعد عليهم ولا يرد من قضاء قاضيهم إلا ما يرد من قضاء قاضي غيرهم .

( وقال في موضع آخر ) إذا كان غير مأمون برأيه على استحلال دم ومال لم ينفذ حكمه ولم يقبل كتابه .

( قال ) ولو شهد منهم عدل قبلت شهادته ما لم يكن يرى أن يشهد لموافقه بتصديقه ، فإن قتل باغ في المعترك غسل وصلي عليه ودفن وإن كان من أهل العدل ففيها قولان : أحدهما أنه كالشهيد والآخر أنه كالموتى إلا من قتله المشركون .

( قال ) وأكره للعدل أن يعمد قتل ذي رحم من أهل البغي وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كف أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه وأبا بكر رضي الله عنه يوم أحد عن قتل ابنه ، وأيهما قتل أباه أو ابنه فقال بعض الناس : إن قتل العادل أباه ورثه ، وإن قتله الباغي لم يرثه وخالفه بعض أصحابه ، فقال : يتوارثان ; لأنهما متأولان وخالفه آخر فقال : لا يتوارثان ; لأنهما قاتلان .

( قال الشافعي ) رحمه الله : وهذا أشبه بمعنى الحديث فيرثهما غيرهما من ورثتهما ومن أريد دمه أو ماله أو حريمه فله أن يقاتل وإن أتى ذلك على نفس من أراده ( قال الشافعي ) رحمه الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من قتل دون ماله فهو شهيد } .

( قال الشافعي ) رحمه الله : فالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على جواز أمان كل مسلم من حر وامرأة وعبد قاتل أو لم يقاتل لأهل بغي أو حرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث