الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 5 ] مقابلة الجمع بالجمع

تارة يقتضي مقابلة كل فرد من هذا بكل فرد من هذا ، كقوله تعالى : ( فاستبقوا الخيرات ) ( المائدة : 48 ) ، ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ، ( البقرة : 43 ) ( حافظوا على الصلوات ) ( البقرة : 238 ) فإن الصلاة والزكاة في معنى الجمع فيقتضي اللفظ ضرورة أن كل واحد مأمور بجميع الصلوات ، وبالاستباق إلى كل خير كما يقال : لبس القوم ثيابهم ، وركبوا دوابهم .

وقوله تعالى : ( وأعتدت لهن متكأ ) ( يوسف : 31 ) أي لكل واحدة منهن . وقوله تعالى : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) ( فاطر : 37 ) لأنه لا يجوز أن يتذكر جميع المخاطبين بهذا القول في مدة وعمر واحد .

وقوله : ( إنها ترمي بشرر كالقصر ) ( المرسلات : 32 ) أي كل واحدة من هذا الشرر كالقصر ، والقصر البيت من أدم ، كان يضرب على الماء إذا نزلوا به ، ولا يجوز أن يكون الشرر كله كقصر واحد ; لأنه مناف للوعيد فإن المعنى تعظيم الشرر ، أي كل واحد من هذا الشرر كالقصر ، ويؤكده قوله بعده : ( كأنه جمالة صفر ) ( المرسلات : 33 ) فشبه بالجماعة ، أي فكل واحدة من هذا الشرر كالجمل ، فجماعته ، إذ الجمالات الصفر كذلك الأول ، كل شررة منه كالقصر قاله ابن جني .

وقوله : ( واستغشوا ثيابهم ) ( نوح : 7 ) وقوله : [ ص: 6 ] ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) ( البقرة : 285 ) فإن كل واحد من المؤمنين آمن بكل واحد من الملائكة والكتب والرسل .

وقوله : ( حرمت عليكم أمهاتكم ) ( النساء : 23 ) الآية ، فإنه لم يحرم على كل واحد من المخاطبين جميع أمهات المخاطبين ، وإنما حرم على كل واحد أمه وبنته .

وكذلك قوله : ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم ) ( النساء : 12 ) فإنه ليس لجميع الأزواج نصف ما ترك جميع النساء ، وإنما لكل واحد نصف ما تركت زوجه فقط .

وكذا قوله : ( يوصيكم الله في أولادكم ) ( النساء : 11 ) .

وقوله : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ) ( الطور : 21 ) إنما معناه : اتبع كل واحد ذريته ، وليس معناه أن كل واحد من الذرية اتبع كل واحد من الآباء . وقوله : ( والوالدات يرضعن أولادهن ) ( البقرة : 233 ) أي كل واحدة ترضع ولدها .

وكقوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين ) ( التوبة : 5 ) فإن مقابلة الجمع أفادت المكنة لكل واحد من المسلمين قتل من وجد من المشركين . وقوله : ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم ) ( النور : 24 ) .

وأما قوله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) ( المائدة : 6 ) فذكر ( المرافق ) بلفظ الجمع ، و ( الكعبين ) بلفظ التثنية ; لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد ، ولكل يد مرفق فصحت المقابلة . ولو قيل إلى الكعاب فهم منه أن الواجب . . . . . ، فإن لكل رجل كعبا واحدا فذكر الكعبين بلفظ التثنية ليتناول الكعبين من كل رجل . فإن قيل : فعلى هذا يلزم ألا يجب إلا غسل يد واحدة ورجل واحدة . قلنا : صدنا عنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم والإجماع .

[ ص: 7 ] وتارة يقتضي مقابلة ثبوت الجمع لكل واحد من آحاد المحكوم عليه كقوله تعالى : ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ) ( النور : 4 ) . وجعل منه الشيخ عز الدين : ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) ( البقرة : 25 ) .

وتارة يحتمل الأمرين فيفتقر ذلك إلى دليل يعين أحدهما .

أما مقابلة الجمع بالمفرد فالغالب أنه لا يقتضي تعميم المفرد وقد يقتضيه بحسب عموم الجمع المقابل له كما في قوله تعالى : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) ( البقرة : 184 ) المعنى كل واحد لكل يوم طعام مسكين . وقوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ) ( النور : 4 ) إنما هو على كل واحد منهم ذلك

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث