الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ كان ]

ومن ذلك الإخبار عن ذات الله أو صفاته وغيرها بـ " كان " . وقد اختلف النحاة وغيرهم في أنها تدل على الانقطاع على مذاهب :

أحدها : أنها تفيد الانقطاع لأنها فعل يشعر بالتجدد .

والثاني : لا تفيده بل تقتضي الدوام والاستمرار ، وبه جزم ابن معط في ألفيته ؛ حيث قال :

وكان للماضي الذي ما انقطعا

.

وقال الراغب في قوله تعالى : ( وكان الشيطان لربه كفورا ) ( الإسراء : 27 ) نبه بقوله " كان " على أنه لم يزل منذ أوجد منطويا على الكفر .

والثالث : أنه عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام ، وليس فيه دليل على عدم سابق ، ولا على انقطاع طارئ ، ومنه قوله تعالى : ( وكان الله غفورا رحيما ) ( الأحزاب : 50 ) قاله الزمخشري في قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ( آل عمران : 110 ) .

[ ص: 108 ] وذكر ابن عطية في سورة الفتح أنها حيث وقعت في صفات الله تعالى فهي مسلوبة الدلالة على الزمان .

والصواب من هذه المقالات مقالة الزمخشري ، وأنها تفيد اقتران معنى الجملة التي تليها بالزمن الماضي لا غير ، ولا دلالة لها نفسها على انقطاع ذلك المعنى ولا بقائه ، بل إن إفادة الكلام شيئا من ذلك كان لدليل آخر .

إذا علمت هذا فقد وقع في القرآن إخبار الله تعالى عن صفاته الذاتية وغيرها بلفظ كان كثيرا ، نحو : ( وكان الله سميعا عليما ) ( النساء : 148 ) ( واسعا حكيما ) ( النساء : 130 ) . ( غفورا رحيما ) ( الأحزاب : 59 ) . ( توابا رحيما ) ( النساء : 64 ) . ( وكنا بكل شيء عالمين ) ( الأنبياء : 81 ) . ( وكنا لحكمهم شاهدين ) ( الأنبياء : 78 ) .

فحيث وقع الإخبار " بـكان " عن صفة ذاتية فالمراد الإخبار عن وجودها ، وأنها لم تفارق ذاته ، ولهذا يقررها بعضهم بـ " ما زال " فرارا مما يسبق إلى الوهم ، إن كان يفيد انقطاع المخبر به عن الوجود لقولهم ، دخل في خبر كان ، قالوا : فكان وما زال مجازان ، يستعمل أحدهما في معنى الآخر مجازا بالقرينة . وهو تكلف لا حاجة إليه ، وإنما معناها ما ذكرناه من أزلية الصفة ، ثم تستفيد بقاءها في الحال ، وفيما لا يزال بالأدلة العقلية ، وباستصحاب الحال .

وعلى هذا التقدير سؤالان .

( أحدهما ) : أن البارئ سبحانه وصفاته موجودة قبل الزمان والمكان ، فكيف تدل كان الزمانية على أزلية صفاته ، وهي موجودة قبل الزمان ؟

( وثانيهما ) : مدلول " كان " اقتران مضمون الجملة بالزمان اقترانا مطلقا فما الدليل على استغراقه الزمان ؟

[ ص: 109 ] والجواب عن الأول أن الزمان نوعان : حقيقي ، وهو مرور الليل والنهار ، أو مقدار حركة الفلك على ما قيل فيه . وتقديري ، وهو ما قبل ذلك وما بعده ، كما في قوله تعالى : ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) ( مريم : 62 ) ولا بكرة هناك ولا عشيا ، وإنما هو زمان تقديري فرضي .

وكذلك قوله تعالى : ( خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) ( الفرقان : 59 ) مع أن الأيام الحقيقية لا توجد إلا بوجود السماوات والأرض والشمس والقمر ، وإنما الإشارة إلى أيام تقديرية .

وعن الثاني أن كان لما دلت على اقتران مضمون الجملة بالزمان ، لم يكن بعض أفراد الأزمنة أولى بذلك من بعض ، فإما ألا يتعلق مضمونها بزمان فيعطل ، أو يعلق بعضها دون بعض ، وهو ترجيح بلا مرجح ، أو يتعلق بكل زمان وهو المطلوب .

وحيث وقع الإخبار بها عن صفة فعلية ، فالمراد تارة الإخبار عن قدرته عليها في الأزل ، نحو : كان الله خالقا ورازقا ومحييا ومميتا ، وتارة تحقيق نسبتها إليه ، نحو : ( وكنا فاعلين ) ( الأنبياء : 79 ) وتارة ابتداء الفعل وإنشاؤه ، نحو : ( وكنا نحن الوارثين ) ( القصص : 58 ) فإن الإرث إنما يكون بعد موت المورث ، والله سبحانه مالك كل شيء على الحقيقة ، من قبل ومن بعد .

وحيث أخبر بها عن صفات الآدميين فالمراد التنبيه على أنها فيهم غريزة وطبيعة مركوزة في نفسه ، نحو : (وكان الإنسان عجولا ) ( الإسراء : 11 ) . ( إنه كان ظلوما جهولا ) ( الأحزاب : 72 ) . ويدل عليه قوله : ( إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ) ( المعارج : 19 - 21 ) أي خلق على هذه الصفة ، وهي حال مقدرة ، أو بالقوة ، ثم تخرج إلى الفعل .

وحيث أخبر بها عن أفعالهم دلت على اقتران مضمون الجملة بالزمان ، نحو : ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ) ( الأنبياء : 90 ) .

ومن هذا الباب الحكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ [ ص: 110 ] " كان يصوم " ، و " كنا نفعل " ، وهو عند أكثر الفقهاء والأصوليين يفيد الدوام ، فإن عارضه ما يقتضي عدم الدوام مثل أن يروى : " كان يمسح مرة " ، ثم نقل أنه يمسح ثلاثا ، فهذا من باب تخصيص العموم ، وإن روي النفي ، والإثبات تعارضا .

وقال الصفار في شرح سيبويه : إذا استعملت للدلالة على الماضي فهل تقتضي الدوام والاتصال أم لا ؟ مسألة خلاف ، وذلك أنك إذا قلت : كان زيد قائما ، فهل هو الآن قائم ؟ الصحيح أنه ليس كذلك ، هذا هو المفهوم ضرورة ، وإنما حملهم على جعلها للدوام ما ورد من مثل قوله تعالى : ( وكان الله غفورا رحيما ) ( الأحزاب : 73 ) وقوله : ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ) ( الإسراء : 32 ) وهذا عندنا يتخرج على أنه جواب لمن سأل : هل كان الله غفورا رحيما ؟ وأما الآية الثانية ، فالمعنى أي قد كان عندكم فاحشة ؟ وكنتم تعتقدون فيه ذلك فتركه يسهل عليكم .

قال ابن الشجري في أماليه : اختلف في " كان " في نحو قوله : ( وكان الله عزيزا حكيما ) ( النساء : 158 ) على قولين :

[ ص: 111 ] أحدهما : أنها بمعنى لم يزل ، كأن القوم شاهدوا عزا وحكمة ومغفرة ورحمة ، فقيل لهم : لم يزل الله كذلك . قال : وهذا قول سيبويه .

والثاني : أنها تدل على وقوع الفعل فيما مضى من الزمان ، فإذا كان فعلا متطاولا لم يدل دلالة قاطعة على أنه زال وانقطع ، كقولك : كان فلان صديقي ، لا يدل هذا على أن صداقته قد زالت ، بل يجوز بقاؤها ويجوز زوالها .

فمن الأول قوله تعالى : ( إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) ( النساء : 101 ) لأن عداوتهم باقية .

ومن الثاني قوله تعالى : ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ) ( المائدة : 117 ) . وقال بعضهم : يدل على أن خبرها كان موجودا في الزمن الماضي ، وأما في الزمن الحاضر فقد يكون باقيا مستمرا ، وقد يكون منقطعا ، فالأول كقوله تعالى : ( وكان الله غفورا رحيما ) ( الأحزاب : 73 ) وكذا سائر صفاته لأنها باقية مستمرة .

قال السيرافي : قد يرجع الانقطاع بالنسبة للمغفور لهم والمرحومين ، بمعنى أنهم انقرضوا فلم يبق من يغفر له ، ولا من يرحم ، فتنقطع المغفرة والرحمة .

وكذا ( وكان الله عليما حكيما ) ( النساء : 170 ) ، ومعناه الانقطاع فيما وقع عليه العلم والحكمة ، لا نفس العلم والحكمة . وفيه نظر . وقال ابن بري ما معناه : إن " كان " تدل على تقديم الوصف وقدمه ، وما ثبت قدمه استحال عدمه ، وهو كلام حسن .

وقال منصور بن فلاح اليمني في كتاب الكافي : قد تدل على الدوام بحسب [ ص: 112 ] القرائن كقوله : ( وكان الله غفورا رحيما ) ( الأحزاب : 73 ) ( وكان الله سميعا بصيرا ) ( النساء : 134 ) . ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) ( النساء : 103 ) دلت على الدوام المتصف بتلك الصفات ودوام التعبد بالصفات ، وقد تدل على الانقطاع ، نحو : كان هذا الفقير غنيا ، وكان لي مال .

وقال أبو بكر الرازي : " كان " في القرآن على خمسة أوجه :

1 - بمعنى الأزل ، والأبد ، كقوله تعالى : ( وكان الله عليما حكيما ) ( النساء : 170 ) .

2 - وبمعنى المضي المنقطع كقوله : ( وكان في المدينة تسعة رهط ) ( النمل : 48 ) وهو الأصل في معاني " كان " ، كما تقول : كان زيد صالحا أو فقيرا أو مريضا أو نحوه .

3 - وبمعنى الحال كقوله تعالى : ( كنتم خير أمة ) ( آل عمران : 110 ) وقوله : ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) ( النساء : 103 ) .

4 - وبمعنى الاستقبال كقوله تعالى : ( ويخافون يوما كان شره مستطيرا ) ( الإنسان : 7 ) .

5 - وبمعنى صار كقوله : ( وكان من الكافرين ) ( البقرة : 34 )

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث