الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( ولو ) ( قتل أحد أخوين ) شقيقين حائزين ( الأب و ) قتل ( الآخر الأم معا ) ولو احتمالا بأن لم يتيقن سبق والمعية والترتيب بزهوق الروح ، وبحث الأذرعي أنه لو صار في حيز الأموات بأن أبان حشوته أو نحو ذلك مما يجعل صاحبه في ذلك الحيز كان كالزهوق في سائر الأحكام ( فلكل قصاص ) على الآخر ; لأنه قتل مورثه مع امتناع التوارث بينهما ومن ثم [ ص: 273 ] يفرق هنا بين بقاء الزوجية وعدمها ، فإن عفا أحدهما فللمعفو عنه قتل العافي ( ويقدم ) أحدهما للقصاص عند التنازع ( بقرعة ) لاستوائهما في وقت الاستلحاق ، فلو طلب أحدهما دون الآخر أجيب الطالب ولا قرعة ، ويستغنى عن القرعة أيضا فيما لو قطع كل منهما من مقتوله عضوا وماتا معا بالسراية فلكل منهما طلب قطع عضو الآخر حالة قطع عضوه ، ثم إذا مات الأخوان بالسراية معا أو مرتبا وقع قصاصا ، وفيما إذا قتلاهما معا في قطع الطريق فللإمام أن يقتلهما معا ; لأنه حد وإن غلب فيه معنى القصاص لكنه لا يتوقف على الطلب ذكره البلقيني .

ويجوز لهما التوكيل قبل القرعة فيقرع بين الوكيلين ، وبقتل أحدهما ينعزل وكيله لانعزال الوكيل بموت موكله ، ومن ثم كان الأوجه أنهما لو قتلاهما معا لم يقع الموقع لتبين انعزال كل بموت موكله ، فعلى كل من الوكيلين دية مغلظة نظير ما يأتي فيما لو اقتص بعد عفو موكله أو عزله له ( فإن اقتص بها ) أي القرعة ( أو مبادرا ) قبلها ( فلوارث المقتص منه قتل المقتص إن لم نورث قاتلا بحق ) وهو الأصح لبقاء القصاص عليه ولم ينتقل له منه شيء ( وكذا إن قتلا مرتبا ) وعلم عين السابق ( ولا زوجية ) بين الأبوين فلكل منهما القود على الآخر ويبدأ بالقاتل الأول ، وما أوهمه كلام المصنف من الإقراع هنا أيضا غير مراد إلا في قطع الطريق فللإمام قتلهما معا نظير ما مر ، ولا يصح توكيل الأول ; لأن الآخر إنما يقتل بعده وبقتله تبطل الوكالة ، ولا ينافيه أنه لو بادر وكيله وقتله لم يلزمه شيء ; لأنه لمطلق الإذن ولا يلزمه منه صحة الوكالة فاندفع ما للروياني هنا ( وإلا ) بأن كان بينهما زوجية ( فعلى الثاني فقط ) القصاص دون الأول ; لأنه ورث بعض من ماله عليه قود ، ففيما إذا قتل واحد أباه ثم الآخر الأم لا قود على قاتل الأب ; لأن قوده ثبت لأمه وأخيه فإذا قتلهما الآخر انتقل ما كان لها لقاتل الأب ; لأنه الذي يرثها وهو ثمن دية فسقط عنه الكل ; لأنه لا يتبعض ، وعليه في ماله لورثة أخيه سبعة أثمان الدية ، أو واحد أمه ثم الآخر أباه [ ص: 274 ] يقتل قاتل الأب فقط لما ذكر .

قال البلقيني : ومحله حيث لا مانع كالدور ، حتى لو تزوج رجل بأمهما في مرض موته ثم وجد القتل المذكور من الولدين فلكل منهما قصاص على الآخر مع وجود الزوجية ، وعلى هذا ففي صورة الدور لو ماتت الزوجة أولا لم يمتنع الزوج من إرثها ، فإن كان هو المقتول أولا فلكل قصاص على الآخر ، وإن كانت هي المقتولة أولا فالقصاص على الثاني ، قال : فليتنبه لذلك فإنه من النفائس ا هـ .

وما اعترض به من عدم الدور في تصويره رد بأنه وكل الأمر في تمام التصوير على الشهرة ، فقد مر في أول الفرائض أن مما يمنع الإرث بالزوجية من جانب الزوجة ما لو أعتق أمته في مرض موته وتزوج بها للدور فليحمل كلامه هذا على أن التي تزوجها في مرض موته هي أمته التي أعتقها في المرض ثم طال به حتى أولدها ولدين فعاشا إلى بلوغهما ثم قتلاهما ، وحينئذ فالحكم الذي ذكره ظاهر ، أما مع علم السبق وجهل عين السابق فالأقرب الوقف إلى تبين الحال ; إذ الحكم على أحدهما حينئذ بقود أو عدمه تحكم ، هذا إن رجي وإلا فظاهر أنه لا طريق سوى الصلح ، ولو قتل ثاني أربعة إخوة أكبرهم ثم الثالث أصغرهم ولم يخلف القتيلان غير القاتلين فللثاني أن يقتص من الثالث ، ويسقط القود عنه لما ورثه من قصاص نفسه

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : أحد أخوين شقيقين ) شرط لصحة قوله : فلكل قصاص إلخ الظاهر في أن كلا منهما له الاستقلال بالقصاص

( قوله : حائزين ) قال الشيخ عميرة : وأما اشتراط الحيازة فلا وجه له فيما يظهر لي .

أقول : لعل وجهه أن قوله فلكل منهما قصاص على الآخر ظاهر في جواز انفراد كل منهما بالقصاص وهو إنما يكون حيث كانا حائزين

( قوله : لم يتيقن سبق ) أي ، ولا معية

( قوله : مع امتناع التوارث ) بناء على ما مر في الفرائض أن القاتل بحق لا يرث وهو الراجح [ ص: 273 ] قوله : هنا ) أي في قول المصنف وقتل الآخر الأم معا

( قوله : فلو طلب أحدهما ) أي القتل

( قوله : أجيب الطالب ) أي فلا يحتاج إلى قرعة

( قوله : فلكل منهما ) أي من الولدين

( قوله : حالة قطع عضوه ) أي المقطوع الثاني من الأخوين

( قوله : ثم إذا مات الأخوان ) وهما الولدان

( قوله : وفيما إذا قتلاهما ) أي قتل الولدان الأب والأم ( قوله : في قطع الطريق ) أي من الوالدين ( قوله : ويجوز لهما ) أي للولدين ( قوله : ينعزل وكيله ) أي المقتول

( قوله : لو قتلاهما ) أي الوكيلان الوالدين ( قوله : انعزال كل بموت موكله ) ; لأن شرط دوام استحقاق الموكل قتل ما وكل فيه أن يبقى عند قتله حيا وهو مفقود في ذلك شرح الروض .

وبه يندفع ما يقال : كل منهما حال الإقدام كان له الفعل ; لأنه إنما ينعزل بموت موكله ، وموت موكله إنما حصل بعد استيفاء الوكيل من الثاني ، وإنما وقع قصاصا في القتل ; لأن قطع كل منهما انتهى في حياة الموكل

( قوله : أو عزله ) أي موكله له أي ، ولم يعلم ( قوله : ولا زوجية ) أي زوجية معها إرث بأن لم تكن زوجية مطلقا أو لم يكن معها إرث م ر ا هـ سم على منهج ( قوله : من الإقراع هنا ) أي فيما لو قتلا مرتبا ولا زوجية

( قوله : إلا في قطع الطريق ) أي فليس لكل منهما القود من الآخر فهو مستثنى من قوله : وكذا إن قتلا مرتبا

( قوله : ولا يصح توكيل الأول ) أي القاتل الأول

( قوله : إنما يقتل بعده ) أي الأول ، وقوله وبقتله : أي الأول ، وقوله لو بادر وكيله : أي الأول ، وقوله وقتله : أي الآخر

( قوله : لم يلزمه ) أي وكيل الأول

( قوله : ; لأنه ) أي عدم الضمان ( قوله : وإلا بأن كان بينهما زوجية ) أي وارث أخذا من كلام البلقيني الآتي [ ص: 274 ] قوله : يقتل قاتل الأب ) ويلزم هذا المستحق لأخيه المذكور ثلاثة أرباع الدية ( قوله : لما ذكر ) هو قوله ; لأنه لا يتبعض

( قوله : ومحله ) أي محل قتل الثاني فقط حيث كانت زوجية

( قوله : من الولدين ) أي بعد أن حبلت بهما وكبرا في حياة أبويهما كما يأتي تصويره ( قوله ففي صورة الدور ) وهي المذكورة في قوله حتى لو تزوج رجل بأمهما ( قوله : بأنه ) أي البلقيني ( قوله : التي أعتقها في المرض ) ولعل تصوير الشيخ لتخرج المستولدة في الصحة فإنه لا يتأتى قتل قاتلها من الولدين لبقاء رقها حال القتل ( قوله : فالحكم الذي ذكره ظاهر ) أي من الدور وجهه أنه إذا أعتقها ثم تزوجها ، ومات لو قلنا بتوريثها لكان الإعتاق تبرعا في المرض لوارث وهو يتوقف على إجازة الورثة وهي متعذرة منها ; إذ لا يتمكن من الإجازة فيما يتعلق بها ، فلو قلنا بتوريثها لامتنع عتقها وامتناعه يؤدي إلى عدم توريثها فيلزم من توريثها عدم توريثها

( قوله : أنه لا طريق سوى الصلح ) أي بمال من الجانبين أو أحدهما أو مجانا وعليه فهو مستثنى من عدم صحة الصلح على إنكار ( قوله : يسقط القود عنه ) أي عن الثاني ( قوله : لما ورثه ) أي عن أخيه الأصغر .

ومن جملته نصف قود نفسه الذي كان لأخيه الأصغر عليه بقتل الأكبر



حاشية المغربي

( قوله : شقيقين ) إنما قيد به لأنه هو الذي يتأتى فيه إطلاق أن لكل منهما القصاص على الآخر ، ولأجل قول المصنف الآتي وكذا إن قتلا مرتبا كما لا يخفى ، وهذا أولى مما في حاشية الشيخ ( قوله : بينهما ) أي الأبوين لموتهما معا ويصرح بذلك قوله : ومن ثم إلخ . أي بخلاف [ ص: 273 ] ما سيأتي في مسألة الترتيب وهذا ظاهر ، وصرح به في شرح الروض خلافا لما في حاشية الشيخ ( قوله : وعدمها ) عبارة التحفة : وعدمه ( قوله : وفيما إذا قتلاهما معا ) معطوف على قوله فيما لو قطع ( قوله : إلا في قطع الطريق ) [ ص: 274 ] استثناء من قوله ويبدأ بالقاتل الأول ( قوله : ومحله ) يعني : في صورة ما إذا قتل أحدهما أباه ثم الآخر الأم ( قوله : وعلى هذا ففي صورة الدور ) أي من أصلها من غير نظر إلى قتل ، لكن قوله وعلى هذا لا معنى له هنا ، على أن الأولى حذف قوله وعلى هذا إلى قوله من إرثه لعدم موقعه هنا وليس هو في عبارة التحفة ( قوله : ثم طال به إلخ . ) [ ص: 275 ] يراجع مفهومه



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث