الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب للغريم منع من أحاط الدين بماله

جزء التالي صفحة
السابق

ص ( من تبرعه )

ش : يعني أن من أحاط الدين بماله ممنوع من التبرع بالمال ومراده قبل [ ص: 34 ] التفليس ، وأما بعده فإنه ممنوع من التصرف المالي مطلقا وما ذكره المصنف من هنا إلى قوله وفلس من الأحكام التي لمن أحاط الدين بماله فعلها وعدم فعلها فمراده بها قبل التفليس فتأمله وقوله : أحاط [ ص: 35 ] الدين بماله يقتضي أنه لو لم يحط الدين بماله لم يمنع من التبرع ، وهو كذلك ويؤخذ من قوله : أحاط أنه علم أن الدين أحاط بماله فلو لم يعلم بذلك لم يمنع من التبرع قال المشذالي في حاشيته في أول التفليس ابن هشام : لو وهب ، أو تصدق وعليه دين لا يدري هل يفي ماله بهما أم لا جاز حتى يعلم أن ما عليه من الدين يستغرق ماله قاله ابن زرب واحتج عليه بما في سماع عيسى من الرضاع فيمن دفع لمطلقته نفقة سنة ، ثم فلس بعد ستة أشهر إن كان يوم دفع النفقة قائم الوجه لم يظهر في فعله سرف ولا محاباة ، فذلك جائز ابن رشد يريد بقوله : قائم الوجه : جائز الأمر . أن يكون المفلس مأمونا عليه مع كثرة ديونه ولا يتحقق أنها مغترقة لجميع ماله فيقوم من قوله هذا : أن من وهب ، أو تصدق وعليه دين لقوم إلا أنه قائم الوجه لا يخاف عليه الفلس ، أن أفعاله جائزة ، وإن لم تحصر الشهود قدر ما معه من المال والدين وبهذا كان يفتي ابن زرب ويحتج بهذه الرواية ويقول : لا يخلو أحد من أن يكون عليه دين وقوله صحيح واستدلاله حسن .

وأما إن علم أن ما عليه من الدين يغترق ما بيده من المال فلا يجوز له هبة ولا عتق ولا شيء من المعروف ويجوز له أن يتزوج وينفق على ولده الذين تلزمه نفقتهم ويؤدي منه عن عقل جرح خطإ ، أو عمد لا قصاص فيه ولا يجوز له أن يؤدي عن جرح فيه قصاص هذا معنى قول مالك في المدونة وغيرها ، وبه يقول ابن القاسم .

( قلت ) وفي سماع أصبغ من الديات ما نصه : " إذا كان الرجل قائم الوجه يبيع ويشتري ويتصرف في ماله فحمالته وهبته وصدقته ماضية كإن علم أن عليه ديونا كثيرة بقي الجواز حتى يثبت أنه لا وفاء له بما فعل من المعروف " .

( قلت ) وفي سماع أبي زيد فيمن أحاط الدين بماله [ ص: 36 ] أو بعضه فيتحمل حمالة وهو يعلم أنه يعدم لا يسعه ذلك بينه وبين الله وحمالته مرودة ; لأنها معروف ابن رشد معناه إذا كان البعض الباقي عن الدين لا يفي بما تحمل به ولو كان يفي صحت حمالته .

( قلت ) وأخذوا من هذا ، ومن نظائره أن من عليه صلاة فرض لا يجوز له أن يتنفل ، وأن أصحاب المكوس لا يصح منهم عتق وفي أحكام ابن سهل فيمن باع دارا بمحاباة ، ثم ثبت عليه دين من قبالة أحباس فقال ابن العطار وغيره : إن كان الدين قبل البيع فالدين أحق بالمحاباة ، وإن كان بعد البيع فالمبتاع أولى بها ويحلف ما كان توليجا ، وإن كانت الدار لم تخرج من يد البائع فالدين أولى ولو كان بعد البيع ، وقال يحيى بن واقد : إن أثبت صاحب الحبس المحاباة في الدار فالبيع مردود والدين أحق بالزائد ; لأن هبة المديان لا تصح المشذالي انظر ابن سهل في مسائل المديان في مسألة رجل لزمته قبالة أحباس فاعتقلت داره ا هـ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث