الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 24 ] قال : ( وتنعقد الهبة بقوله وهبت ونحلت وأعطيت ) ; لأن الأول صريح فيه والثاني مستعمل فيه . قال عليه الصلاة والسلام { أكل أولادك نحلت مثل هذا ؟ } وكذلك الثالث ، يقال : أعطاك الله ووهبك الله بمعنى واحد ( وكذا تنعقد بقوله أطعمتك هذا الطعام وجعلت هذا الثوب لك وأعمرتك هذا الشيء وحملتك على هذه الدابة إذا نوى بالحملان الهبة ) أما الأول فلأن الإطعام إذا أضيف إلى ما يطعم عينه يراد به تمليك العين ، [ ص: 25 ] بخلاف ما إذا قال : أطعمتك هذه الأرض حيث تكون عارية ; لأن عينها لا تطعم فيكون المراد أكل غلتها . وأما الثاني فلأن حرف اللام للتمليك . وأما الثالث فلقوله عليه الصلاة والسلام { فمن أعمر عمرى فهي للمعمر له ولورثته من بعده } وكذا إذا قال جعلت هذه الدار لك عمرى لما قلنا . [ ص: 26 ] وأما الرابع فلأن الحمل هو الإركاب حقيقة فيكون عارية لكنه يحتمل الهبة ، يقال حمل الأمير فلانا على فرس ويراد به التمليك فيحمل عليه عند نيته .

التالي السابق


( قوله : أما الأول فلأن الإطعام إذا أضيف إلى ما يطعم عينه يراد به تمليك العين ) قال صاحب غاية البيان : ولنا في تقرير صاحب الهداية نظر ، [ ص: 25 ] لأنه قال : إن الإطعام إذا أضيف إلى ما يطعم عينه يراد به تمليك العين ، فعلى هذا ينبغي أن يكون المراد من الإطعام في الكفارة التمليك لا الإباحة كما هو مذهب الخصم ; لأن المراد من الإطعام إطعام الطعام والطعام يؤكل عينه فكان الإطعام في الآية مضافا إلى ما يطعم عينه فافهم . انتهى كلامه .

أقول : يمكن الجواب عن هذا النظر بأن مراد المصنف بالإضافة إلى ما يطعم عينه أن يذكر ما يطعم عينه ويجعل مفعولا ثانيا للإطعام ، وفي آية الكفارة لم يكن الأمر كذلك ، فكان الإطعام فيها على أصل وضعه وهو الإباحة ، ويرشدك إلى هذا التوجيه أنه قال في تنقيح الأصول في أوائل التقسيم الرابع : وفي قوله تعالى { إطعام عشرة مساكين } إشارة إلى أن الأصل فيه هو الإباحة ، والتمليك ملحق به ; لأن الإطعام جعل الغير طاعما لا جعله مالكا ، وألحق به التمليك دلالة ; لأن المقصود قضاء حوائجهم ، وهي كثيرة فأقيم التمليك مقامها انتهى . وقال في التلويح : وأما نحو أطعمتك هذا الطعام فإنما كان هبة وتمليكا بقرينة الحال ; لأنه لم يجعله طاعما . قالوا : والضابط أنه إذا ذكر المفعول الثاني فهو للتمليك ، وإلا فللإباحة . انتهى فتأمل ترشد .

ثم إنه قد ذكر في المحيط البرهاني نقلا عن الأصل : وإذا قال أطعمتك هذه الأرض فهو عارية ، ولو قال أطعمتك هذا الطعام ، فإن قال فاقبضه فهو هبة ، وإن لم يقل فاقبضه يكون هبة أو عارية انتهى . أقول : لا يذهب على ذي فطنة أن إطلاق رواية الكتاب وتعليل المصنف بما ذكر لا يطابقان رواية الأصل ; لأن الظاهر منهما أن يكون قوله : أطعمتك هذا الطعام هبة مطلقا ، ورواية الأصل صريح في أن قوله المذكور إنما يكون هبة إذا قيده بقوله فاقبضه ، وأما إذا لم يقيده بذلك فيحتمل الأمرين : أي الهبة والعارية ، وأن النظر المذكور لا يتجه أصلا على ما في رواية الأصل ; لأن التمليك إنما يستفاد على هاتيك الرواية من قوله فاقبضه لا من لفظ الإطعام ، فلا ينافي أن يكون الإطعام في آية الكفارة على أصل وضعه ، وهو الإباحة .

( قوله : بخلاف ما إذا قال أطعمتك هذه الأرض حيث تكون عارية ; لأن عينها لا تطعم فيكون المراد إطعام غلتها ) أقول : لقائل أن يقول : كون الأرض مما لا يطعم عينه إنما يقتضي أن لا يكون الإطعام المضاف إليها على حقيقته ، ولا يقتضي أن لا يراد به تمليك العين مجازا كما أريد به ذلك إذا أضيف إلى ما يطعم عينه فإنهم حملوا هناك على تمليك العين مع أن حقيقة الإطعام جعل الغير طاعما : أي آكلا لا جعله مالكا كما صرحوا به .

والجواب أنه ، وإن أمكن أن يراد بالإطعام المضاف إلى مثل الأرض تمليك العين مجازا لكن هذا التجوز ليس بمتعارف في مثل ذلك ، وإنما المتعارف أن يراد إطعام الغلة على طريق ذكر المحل وإرادة الحال ، كما أن المتعارف فيما إذا أضيف الإطعام إلى ما يطعم عينه أن يراد به تمليك العين ، وكلام العاقل إنما يجب حمله على المتعارف لا على كل ما احتمله اللفظ تدبر . ( قوله : وكذا إذا قال جعلت هذه الدار لك عمرى لما قلنا ) قال صاحب العناية : قوله : لما قلنا إشارة إلى قوله : فلأن حرف اللام للتمليك ، واقتفى أثره الشارح العيني وسكت غيرهما عن البيان .

أقول : الظاهر أن قول المصنف هذا إشارة إلى قريبه وهو قوله : فلقوله عليه الصلاة والسلام { فمن أعمر عمرى فهي للمعمر له ولورثته من بعده } ويدل على هذا ذكر هذه الصورة في ذيل الثالث ، إذ لو كان مراده ما قاله الشارحان المزبوران لذكرها في ذيل الثاني ، بل لو كان مراده ذلك لما ذكرها أصلا ، إذ قد سبق ذكر ما إذا قال جعلت هذا الثوب لك وهو الذي قال له وأما الثاني ، ولا يرى أثر فرق بينه وبين [ ص: 26 ] ما إذا قال جعلت هذه الدار لك عمرى إلا باشتمال هذه الصور على لفظة عمرى دون ما سبق ، فلو كان مراده بقوله لما قلنا كون اللام في قوله لك للتمليك لا كون لفظة العمرى لإثبات الملك للمعمر له لكان ذكر هذه الصورة مستدركا كما لا يخفى . فإن قلت : لو كان مراده ما ذكرته لقال لما روينا كما هو دأبه عند قصده الإشارة إلى السنة . قلت : كأن الشارحين المزبورين اغترا بذلك ، ولكن يمكن التوجيه بجعل " ما " في قوله لما قلنا عبارة عن قول نفسه وهو قوله : فلقوله عليه الصلاة والسلام لا عن نفس الحديث ، وقد أشرنا إليه في تحرير مراده فتبصر .

( قوله : وأما الرابع فلأن الحمل هو الإركاب حقيقة فيكون عارية لكنه يحتمل الهبة ، يقال حمل الأمير فلانا على فرس ويراد به التمليك فيحمل عليه عند نيته ) يعني أن الحمل تصرف في المنفعة فيكون عارية ، إلا أن يقول صاحب الدابة أردت الهبة ; لأن هذا اللفظ قد يذكر لتمليك العين ، فإذا نوى ما يحتمله لفظه وفيه تشديد عليه عملت نيته . قال في الكفاية : فإن قيل : كيف يستقيم قوله : إن حقيقته الإركاب وقد ذكر في العارية أن قوله حملتك لتمليك العين . قلنا : حقيقته الإركاب نظرا إلى الوضع ، وهو لتمليك العين في العرف والاستعمال ، لكن الحقيقة ما صارت مهجورة بالعرف فكان هذا في معنى الاسم المشترك انتهى .

وذكر صاحب العناية فحوى ذلك بعبارة أخرى حيث قال : لا يقال هذا يناقض ما تقدم في العارية من قوله ; لأنهما لتمليك العين ، وعند عدم إرادته الهبة يحمل على تمليك المنافع مجازا لما أشرنا إليه هنالك أن قوله ; لأنهما لتمليك العين : يعني في العرف ، فاستعماله في المنافع مجاز عرفي فيكون قوله : هاهنا ; لأن الحمل هو الإركاب حقيقة : يعني في اللغة ، فاستعماله في الحقيقة العرفية مجاز لغوي انتهى . أقول : بقي إشكال وهو أنه قد تقرر في كتب الأصول أنه إذا كانت الحقيقة مستعملة ، والمجاز متعارفا ، فعند أبي حنيفة رحمه الله المعنى الحقيقي أولى والعمل به . وعندهما المعنى المجازي أولى والعمل به ، وأما إذا كانت الحقيقة مهجورة فالعمل بالمجاز اتفاقا . إذا عرفت ذلك ففي ما نحن فيه لم تكن الحقيقة مهجورة كما صرحوا به ، فعلى مقتضى الأصل المذكور يلزم أن يكون العمل عند أبي حنيفة بما هو حقيقة بحسب الوضع وهو الإركاب ، وعندهما بما هو المستعمل فيه بحسب العرف وهو تمليك العين ، فينبغي أن يحمل الحمل على العارية عند عدم إرادة الهبة على أصل أبي حنيفة ، وأن يحمل على الهبة وإن لم ينوها على أصلهما ، مع أن وضع المسألة في هذا الكتاب وسائر الكتب المعتبرة على الأول من غير أن يذكر الخلاف في شيء منها فليتأمل . ثم إن قول صاحب الكفاية فكان هذا في معنى الاسم المشترك ليس بسديد ; لأن حكم المشترك التأمل فيه حتى يترجح أحد معنييه أو معانيه بالأدلة أو الأمارات على ما تقرر في علم الأصول ، وفيما نحن فيه إن نوى الهبة يحمل عليها ، وإن لم ينوها يحمل على العارية من غير تأمل ولا توقف ، فأين هذا من ذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث