الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال : ( ولا تجوز الهبة فيما يقسم إلا محوزة مقسومة ، وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة ) وقال الشافعي : تجوز في الوجهين ; لأنه عقد تمليك فيصح في المشاع وغيره كالبيع بأنواعه ، [ ص: 28 ] وهذا ; لأن المشاع قابل لحكمه ، وهو الملك فيكون محلا له ، وكونه تبرعا لا يبطله الشيوع كالقرض والوصية . ولنا أن القبض منصوص عليه في الهبة فيشترط كماله والمشاع لا يقبله إلا بضم غيره إليه ، وذلك غير موهوب ، [ ص: 29 ] ولأن في تجويزه إلزامه شيئا لم يلتزمه وهو مؤنة القسمة ، ولهذا امتنع جوازه قبل القبض لئلا يلزمه التسليم ، بخلاف ما لا يقسم ; لأن القبض القاصر هو الممكن فيكتفى به ; ولأنه لا تلزمه مؤنة القسمة . [ ص: 30 ] والمهايأة تلزمه فيما لم يتبرع به وهو المنفعة ، والهبة لاقت العين ، والوصية ليس من شرطها القبض ، وكذا البيع الصحيح ، وأما البيع الفاسد والصرف والسلم فالقبض فيها غير منصوص عليه ، ولأنها عقود ضمان فتناسب لزوم مؤنة القسمة ، والقرض تبرع من وجه وعقد ضمان من وجه ، فشرطنا القبض القاصر فيه دون القسمة عملا بالشبهين ، على أن القبض غير منصوص عليه فيه . [ ص: 31 ] ولو وهب من شريكه لا يجوز ; لأن الحكم يدار على نفس الشيوع .

قال ( ومن وهب شقصا مشاعا فالهبة فاسدة ) لما ذكرنا ( فإن قسمه وسلمه جاز ) ; لأن تمامه بالقبض وعنده لا شيوع . قال : ( ولو وهب دقيقا في حنطة أو دهنا في سمسم فالهبة فاسدة ، فإن طحن وسلم لم يجز ) وكذا السمن في اللبن ; لأن الموهوب معدوم ، ولهذا لو استخرجه الغاصب يملكه ، والمعدوم ليس بمحل للملك فوقع العقد باطلا ، فلا ينعقد إلا بالتجديد ، بخلاف ما تقدم ; لأن المشاع محل للتمليك ، [ ص: 32 ] وهبة اللبن في الضرع والصوف على ظهر الغنم والزرع والنخل في الأرض والتمر في النخيل بمنزلة المشاع ; لأن امتناع الجواز للاتصال وذلك يمنع القبض كالشائع .

التالي السابق


( قوله : وهذا ; لأن المشاع قابل لحكمه وهو الملك فيكون محلا له ، وكونه تبرعا لا يبطله الشيوع كالقرض والوصية ) قال صاحب العناية في حل هذا الكلام : وهذا : أي جوازه باعتبار أن المشاع قابل لحكمه : أي حكم عقد الهبة وهو الملك كما في البيع والإرث وكل ما هو قابل لحكم عقد يصلح أن يكون محلا له ; لأن المحلية عين القابلية أو لازم من لوازمها فكان العقد صادرا من أهله مضافا إلى محله ، ولا مانع ثمة فكان جائزا . فإن قيل : لا نسلم انتفاء المانع فإنه عقد تبرع فلم لا يجوز أن يكون الشيوع مبطلا ؟ أجاب بقوله وكونه تبرعا : يعني لم يعهد ذلك مبطلا في التبرعات كالقرض والوصية بأن دفع ألف درهم إلى رجل على أن يكون نصفه قرضا عليه ويعمل في النصف الآخر بشركته ، وبأن أوصى لرجلين بألف درهم فإن ذلك صحيح ، فدل على أن الشيوع لا يبطل التبرع حتى يكون مانعا . انتهى كلامه .

أقول : تعسف الشارح المذكور في بيانه هذا من وجوه : الأول أنه جعل لفظ هذا في قول المصنف . وهذا ; لأن المشاع إشارة إلى جواز عقد الهبة فيقتضي هذا أن يكون قول المصنف وهذا ; لأن المشاع إلخ دليلا على أصل مدعى الشافعي وهو قوله : تجوز في الوجهين فيكون دليلا ثانيا عليه ، فكان ينبغي أن يقول المصنف : ولأن المشاع بدل قوله وهذا ; لأن المشاع . والثاني أنه ارتكب تقدير مقدمات حيث قال : فكان العقد صادرا من أهله مضافا إلى محله ، ولا مانع ثمة فكان جائزا ، والباعث عليه جعله لفظ هذا إشارة إلى [ ص: 29 ] جوازه . والثالث أنه حمل قول المصنف وكونه تبرعا إلخ على الجواب عن سؤال يرد بطريق المنع على مقدمة من المقدمات التي قدرها وهي قوله : ولا مانع ثمة . والحق عندي أن مقصود المصنف من قوله وهذا ; لأن المشاع إلخ إثبات كبرى الدليل السابق وهي قوله : فيصح في المشاع لا إثبات أصل المدعى ، ولفظ هذا إشارة إلى مضمون هاتيك الكبرى ، فالمعنى وهذا : أي صحته في المشاع أو كونه صحيحا في المشاع ; لأن المشاع قابل لحكمه ، وهو الملك فيكون محلا له ، فلا يلزم حينئذ الوجهان الأولان من وجوه التعسف اللازمة لتقرير صاحب العناية .

أما الأول منهما فظاهر جدا . وأما الثاني فلسقوط الاحتياج حينئذ إلى ما قدره من المقدمات الزائدة كما يظهر بأدنى التأمل الصادق . ثم إن قوله وكونه تبرعا لا يبطله الشيوع جواب عن سؤال يرد على الدليل المذكور بطريق المعارضة ، وهو أن يقال : إن عقد الهبة عقد تبرع ، فلو قلنا بجوازه في المشاع لزم في ضمنه وجوب ضمان القسمة والواهب لم يتبرع به فيكون إلزاما عليه ما لم يلتزمه ، وهو باطل فقال : كونه عقد تبرع لا يمنعه الشيوع كالقرض والوصية : يعني أن الشيوع في القرض والوصية ، كما لا يمنع كونهما عقد تبرع كذلك لا يمنع في الهبة فلا يلزم حينئذ الوجه الثالث أيضا من وجوه التعسف اللازمة لتقرير صاحب العناية ، وهو حمل الكلام المذكور على الجواب عما يرد على مقدمة غير مذكورة كما عرفت فتبصر .

( قوله : ولأن في تجويزه إلزامه شيئا لم يلتزمه ، وهو مؤنة القسمة ) يعني أن في تجويز عقد الهبة في المشاع إلزام الواهب شيئا لم يلتزمه ، وهو مؤنة القسمة ، وذلك لا يجوز لزيادة الضرر . فإن قيل : هذا ضرر مرضي ; لأن إقدامه على هبة المشاع يدل على التزامه ضرر القسمة والضائر من الضرر ما لم يكن مرضيا . أجيب بأن المرضي منه ليس القسمة ولا ما يستلزمها لجواز أن يكون راضيا بالملك المشاع وهو ليس بقسمة ولا يستلزمها ، كذا في العناية أخذا من شرح تاج الشريعة وتبعهما الشارح العيني . أقول : في الجواب بحث ; لأنه إذا لم يكن الملك المشاع قسمة ولا مستلزما لها لم يتم نفس هذا الدليل : أعني قوله ولأن في تجويزه إلزامه شيئا لم يلتزمه وهو القسمة ; لأن الذي يستلزمه تجويز هبة الشيء إنما هو إلزام واهبه حكم الهبة وهو ثبوت الملك للموهوب له وشيئا يستلزمه حكمها .

وأما ما ليس بحكم الهبة ولا شيئا من لوازم حكمها فلا يستلزمه تجويز الهبة في شيء ، فإذا لم تكن القسمة نفس حكم الهبة ولا شيئا يستلزمه حكمها فأين يلزم من تجويز هبة المشاع إلزام الواهب مؤنة القسمة حتى يلزم إلزامه ما لم يلتزمه . لا يقال : الذي لا يستلزم القسمة هو الملك المشاع ، وهو الذي ذكره في الجواب وما هو حكم الهبة هو الملك المفرز ، وهو يستلزم القسمة ؟ لأنا نقول : لا نسلم أن حكم الهبة مطلقا هو الملك المفرز بل حكمها هو الملك مطلقا ، ألا ترى أن هبة المشاع الذي لا يحتمل القسمة جائزة بالاتفاق وحكمها ثابت قطعا ، مع أن حكمها هناك ليس الملك المفرز بلا ريب بل هو الملك المشاع . ولو سلم أن حكمها مطلقا هو الملك المفرز لم يصح قول المجيب إن المرضي منه ليس القسمة ولا ما يستلزمها ; لأن من أقدم على الهبة يرضى بحكمها قطعا ، فلو كان حكمها مطلقا هو الملك المفرز تعين الرضا منه بما يستلزم [ ص: 30 ] القسمة وهو الملك المفرز .

هذا واعترض بعض الفضلاء على الجواب المذكور بوجه آخر حيث قال : فيه بحث ، فإنه يعلم أنه إذا طلب شريكه القسمة لا ينفعه إباؤه ، على أن له أن يرجع عن هبته ولا تلزمه المؤنة فليتأمل ا هـ . أقول : كل واحد من أصل بحثه وعلاوته ساقط . أما الأول ; فلأنه وإن علم أنه إذا طلب شريكه القسمة لا ينفعه إباؤه إلا أن طلب شريكه إياها غير متعين بل محتمل ، والإقدام على العقد إنما يقتضي الرضا بما هو من ضروريات ذلك العقد ولوازمه لا بما هو من محتملات ذلك . وأما الثاني فلأن في رجوعه عن هبته ضررا آخر له وهو حرمانه عن ثواب الهبة فلزم أن يتوقف دفع ضرر مؤنة القسمة عن نفسه على ارتكاب ضرر آخر لنفسه ، فكان في تجويز هبة المشاع إلزام الواهب أحد الضررين وذلك لا يجوز ، وأيضا هل يجوز العاقل أن يكون بناء جواز هبة المتاع على جواز الرجوع عنها وليس هذا بمنزلة بناء تحقق الشيء على انتفائه ، على أنه ليس له الرجوع عن هبته في كثير من المواد وهي التي تحقق فيها الموانع عن الرجوع كما سيأتي في الكتاب فيلزم المحذور في مثل ذلك .

ثم أقول : بقي شيء في أصل هذا التعليل ، وهو أن واهب المشاع إما أن يرضى بالقسمة أو يمتنع عنها ، فإن رضي بها كان ملتزما إياها فلم يكن في إلزامه مؤنة القسمة إلزامه ما لم يلتزمه ، وإن امتنع عنها لم يلزمه مؤنة القسمة عند أبي حنيفة ; لأن مؤنة القسمة على الطالب دون الممتنع عنده على ما يجيء في كتاب القسمة فلم يتم هذا التعليل على قوله . ( قوله : والمهايأة تلزمه فيما لم يتبرع به وهو المنفعة والهبة لاقت العين ) هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أنه إن لم تلزمه فيما لا يقسم مؤنة القسمة فقد لزمته المهايأة ، وفي إيجابها [ ص: 31 ] إلزام ما لم يلتزم ، ومع ذلك العقد جائز فلتكن مؤنة القسمة فيما يقسم كذلك .

فأجاب بأن المهايأة تلزمه فيما لم يتبرع به وهو المنفعة ; لأن المهايأة قسمة المنفعة والهبة التي هي عقد التبرع إنما لاقت العين ولا إلزام فيه فيما لا يقسم فلم يكن ذلك ضمانا في عين ما تبرع به بخلاف مؤنة القسمة فيما يقسم ، هذا خلاصة ما في جملة الشروح والكافي هاهنا . وقال صاحب العناية بعد ذلك : ولقائل أن يقول : إلزام ما لم يلتزم الواهب بعقد الهبة إن كان مانعا عن جوازها فقد وجد ، وإن خصصتم بعوده إلى ما تبرع به كان تحكما ، والجواب بتخصيصه بذلك .

ويدفع التحكم بأن في عوده إلى ذلك إلزام زيادة عين هي أجرة القسمة على العين الموهوبة بإخراجها عن ملكه ، وليس في غيره ذلك ; لأن المهايأة لا يحتاج إليها . ا هـ كلامه .

أقول : لا يرى في الجواب الذي ذكره كثير طائل في دفع سؤال سائل ; لأن حاصله أن في عوده إلى ما تبرع به إلزامه إخراج عين هي أجرة القسمة عن ملكه ، وليس ذلك في المهايأة ، فلقائل أن يقول : إن لم يكن في المهايأة إلزامه إخراج عين عن ملكه ففيه إلزامه إزالة تقع في زمان معين عن تصرفه ، وكون الأول أكثر ضررا من الثاني مطلقا غير مسلم ، فكم من منفعة كمنفعة دار ونحوها تكون أعز وأشرف من مقدار عين يصير أجرة قسمته فتكون إزالتها عن الانتفاع بها أشق على الإنسان وأكثر ضررا له من إخراج مقدار عين يصير أجرة قسمته عن ملكه [ ص: 32 ] وأما الزيادة على العين الموهوبة فمتحققة في الصورتين معا ، غير أن الزائد عليها في إحداهما العين وفي الأخرى المنفعة . والأظهر في الجواب عندي أن يقال : تخصيص ذلك بما إذا عاد إلى ما تبرع به ، ولا يلزم التحكم ; لأن المحذور في إلزامه ما لم يلتزمه فيما إذا عاد إلى ما تبرع به لزوم المنافاة ، فإن التبرع ضد اللزوم فهما لا يجتمعان في محل واحد ، وفيما إذا لم يعد إلى ما تبرع به لا تلزم المنافاة ، فإن المهايأة لاقت المنفعة والهبة لاقت العين ، فلم يصادف الإلزام والتبرع إذ ذاك محلا واحدا فلا محذور فيه .

ثم إن صاحب غاية البيان بعد أن بين مراد المصنف على المنهج المزبور قال : والجواب الصحيح أن يقال هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة لما لم يلزم منها ضمان القسمة على الواهب صحت . وقولهم يؤدي ذلك إلى إلزام التهايؤ فنقول : لا نسلم ; لأن التهايؤ ليس بواجب ; لأن فيه إعارة كل واحد منهما نصيبه من صاحبه والإعارة لا تكون واجبة . ا هـ كلامه . أقول : لعل هذا الجواب ليس بصحيح ; لأن التهايؤ يجب ويجري فيه جبر القاضي إذا طلبه أحد الشركاء سيما فيما لا يقسم نص عليه في عامة الكتب ، وسيأتي بيان ذلك في فصل المهايأة من كتاب القسمة ، وما ذكره بقوله : لأن فيه إعارة كل واحد منهما نصيبه إلخ وجه القياس ، وقد صرحوا بأن القياس يأباه ، ولكنا تركنا القياس قوله تعالى { لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } وهو المهايأة بعينها ، وللحاجة إليه إذ يتعذر الاجتماع على الانتفاع فأشبه القسمة ، فقولهم في هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة يؤدي ذلك إلى إلزام التهايؤ مما لا يقبل المنع أصلا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث