الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل فيما يتغير بعمل الغاصب

جزء التالي صفحة
السابق

قال ( ومن غصب أرضا فغرس فيها أو بنى قيل له [ ص: 343 ] اقلع البناء والغرس وردها ) لقوله عليه الصلاة والسلام { ليس لعرق ظالم حق } ولأن ملك صاحب الأرض باق ، فإن الأرض لم تصر مستهلكة والغصب لا يتحقق فيها ، ولا بد للملك من سبب فيؤمر الشاغل بتفريغها ، كما إذا شغل ظرف غيره بطعامه ( فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء والغرس مقلوعا ويكونان له ) ; لأن فيه نظرا لهما ودفع الضرر عنهما . وقوله قيمته مقلوعا معناه قيمة بناء أو شجر يؤمر بقلعه ; لأن حقه فيه ، إذ لا قرار له فيه فتقوم الأرض بدون الشجر والبناء وتقوم وبها شجر أو بناء ، لصاحب الأرض أن يأمره بقلعه فيضمن فضل ما بينهما . .

التالي السابق


( قوله لقول النبي صلى الله عليه وسلم { ليس لعرق ظالم حق } ) صححه في المغرب بتنوين عرق حيث قال : أي لذي عرق ظالم ، وهو الذي يغرس في الأرض غرسا على وجه الاغتصاب ليستوجبها وصف العرق بالظلم الذي هو صفة صاحبه مجازا ، وقد روي بالإضافة ليس لعرق غاصب ثبوت بل يؤمر بقلعه ، كذا في العناية وغيرها .

أقول : فيما ذكر في المغرب شيء ، وهو أنه قدر المضاف أولا حيث قال : أي لذي عرق ظالم ، وجعل وصف العرق بالظلم تجوزا ثانيا ، وبينهما تنافر ; لأنه إذا قدر المضاف يصير ظالم صفة له لا لعرق كما قالوا في قول النبي صلى الله عليه وسلم { من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه } أن قوله محرم صفة ذا وجره للجوار فيتم معنى الكلام على حقيقته فلا يكون للمصير إلى التجوز وجه ، وعن هذا ذكر الزمخشري في الفائق ما ذكره المطرزي في المغرب خلا القول بوصف العرق بالظلم على سبيل التجوز ، اللهم إلا أن يكون مراد صاحب المغرب بقوله أي لذي عرق ظالم مجرد تصوير المعنى ، لا أن هناك مضافا محذوفا مقدرا . وقال بعض الفضلاء : ولا مجال لكون ظالم نعتا لذي ; لأنه معرفة ا هـ . أقول : هذا الكلام من مثل ذلك أمر عجيب ، فإن ذا الذي بمعنى صاحب لا يكون إلا مضافا ، ويكون نكرة إن أضيف إلى نكرة ، ومعرفة إن أضيف إلى معرفة . وعن هذا قال الجوهري في صحاحه : وأما ذو الذي بمعنى صاحب فلا يكون إلا مضافا ، فإن وصفت به نكرة أضفته إلى نكرة ، وإن وصفت به معرفة أضفته إلى الألف واللام ، ولا يجوز أن تضيفه إلى مضمر ولا إلى زيد وما أشبهه ا هـ . ولا ريب أن المضاف إليه الذي فيما نحن فيه هو عرق نكرة فيكون المضاف أيضا نكرة ، فلا معنى لقوله ولا مجال لكون ظالم نعتا لذي ; لأنه معرفة ، وكأن وهمه ذهب إلى ذي التي هي مؤنث ذا من أسماء الإشارة التي هي من أنواع المعارف . ونعم ما قالوا : لكل جواد كبوة ، ولكل صارم نبوة .

( قوله ولأن ملك صاحب الأرض باق فإن الأرض لم تصر مستهلكة والغصب لا يتحقق فيها إلخ ) أقول : لمتوهم أن يتوهم أن قوله في التعليل والغصب لا يتحقق فيها ينافي وضع المسألة في الغصب بأن قال : ومن غصب أرضا فغرس فيها أو بنى . فالجواب أن المراد بالغصب المذكور في وضع المسألة هو معناه اللغوي ، وبالغصب المنفي تحققه في الأرض في أثناء [ ص: 344 ] التعليل هو معناه الشرعي على أصل أئمتنا فلا منافاة . وقال صاحب غاية البيان : قد مر في أوائل كتاب الغصب عند قوله والغصب فيما ينقل ويحول أن عبارات مشايخنا اختلفت في غصب الدور والعقار على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ، فقال بعضهم : يتحقق فيها الغصب ، ولكن لا على وجه يوجب الضمان ، وإليه مال القدوري في قوله وإذا غصب عقارا فهلك لم يضمنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، فعلى هذا لا يرد السؤال على قوله ومن غصب أرضا . وقال بعضهم : لا يتحقق فيجاب عنه أن يقال : لما تصور بصورة الغصب سماه غصبا كما في قوله تعالى { إلا إبليس } ; لأنه تصور بصورة الملائكة ا هـ كلامه . أقول : قد مر منا أيضا هناك أنه لم يقل أحد من مشايخنا : إن الغصب الشرعي يتحقق عند أبي حنيفة وأبي يوسف في العقار ، ولو قال ذلك [ ص: 345 ] لما صح منه أن يقول لا على وجه يوجب الضمان ، فإن وجوب الضمان عند هلاك المغصوب في يد الغاصب حكم مقرر لمطلق الغصب الشرعي لا يتخلف عنه عند أحد ، وإنما اغتر صاحب الغاية باستعمال بعض المشايخ لفظ الغصب في العقار . وتوجيه ذلك على طرف التمام بحمله على المعنى اللغوي كما قررناه آنفا ، فلا وجه لبناء عدم ورود السؤال على قوله ومن غصب أرضا على القول بتحقق الغصب الشرعي في العقار ، على أنه لو بنى عليه لورد السؤال على قول المصنف في تعليل ذلك ، والغصب لا يتحقق فيها إذ يلزم حينئذ أن لا يطابق التعليل المعلل .

وأما الجواب الذي ذكره صاحب الغاية على تقدير عدم القول بتحقق الغصب في العقار بأنه لما كان في صورة الغصب سماه غصبا فله وجه ; ولكن فيما ذكرناه من الحمل على المعنى اللغوي مندوحة عنه كما لا يخفى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث