الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قوله ( ويشترط لوجوب الحج على المرأة : وجود محرمها ) هذا المذهب مطلقا . يعني : أن المحرم من شرائط الوجوب ، كالاستطاعة وغيرها . وعليه أكثر الأصحاب ، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد ، وهو ظاهر كلام [ ص: 411 ] الخرقي ، وقدمه في المحرر ، والفروع ، والفائق ، والحاويين ، والرعايتين ، وصححه في النظم ، وجزم به في المبهج ، والإيضاح ، والعمدة ، والإفادات . قال ابن منجى في شرحه : هذا المذهب ، وهو من المفردات ، وعنه أن المحرم من شرائط لزوم الأداء ، وجزم به في الوجيز ، وأطلقهما الزركشي ، فعليها : يحج عنها لو ماتت ، أو مرضت مرضا لا يرجى برؤه ، ويلزمها أن توصي به . وهي أيضا من المفردات . ، وعلى المذهب : لم تستكمل شروط الوجوب ، وأطلقهما في الهداية في باب الفوات والإحصار والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والكافي ، والتلخيص ، والبلغة ، والشرح ، والزركشي ، والمستوعب ، والهادي ، وعنه لا يشترط المحرم إلا في مسافة القصر . كما لا يعتبر في أطراف البلد ، وأطلقهما في المذهب ، ومسبوك الذهب ، والهادي ، والتلخيص ، والمحرر ، والفائق ، ونقل الأثرم : لا يشترط المحرم في الحج الواجب . قال الإمام أحمد : لأنها لا تخرج مع النساء ومع كل من أمنته ، وعنه لا يشترط المحرم في القواعد من النساء اللاتي لا يخشى منهن ولا عليهن فتنة . ذكرها المجد ، ولم يرتضه صاحب الفروع .

وقال الشيخ تقي الدين : تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم . وقال : هذا متوجه في كل سفر طاعة . قال في الفروع : كذا قال [ وظاهر كلام المصنف وغيره : أن الخنثى كالرجل ] .

فائدة : قال المجد في شرحه : ظاهر كلام الخرقي : أن المحرم شرط للوجوب دون أمن الطريق وسعة الوقت . حيث شرطه ولم يشترطهما ، وظاهر نقل أبي الخطاب : يقتضي رواية بالعكس ، وهو أنه قطع بأنهما شرطان [ ص: 412 ] للوجوب ، وذكر في المحرر : رواية بأنه شرط لزوم . قال : والتفرقة على كلا الطريقين مشكلة ، والصحيح : التسوية بين هذه الشروط الثلاثة ، إما نفيا ، وإما إثباتا . انتهى . قلت : ممن سوى بين الثلاثة : المصنف في الكافي ، والشارح ، وصاحب المستوعب ، والمحرر فيه ، والرعايتين ، والحاويين ، والفائق ، والوجيز ، وابن عقيل وغيرهم ، وأشار ابن عقيل إلى أنها تزاد للحفظ والراحة لنفس السعي . قال في الفروع : وما قاله المجد صحيح ، وذكر كلام ابن عقيل . انتهى .

وممن فرق بين المحرم ، وسعة الوقت ، وأمن الطريق : المصنف في المقنع ، والكافي . فإنه قدم فيهما : أنهما من شرائط اللزوم ، وقدم في المحرر : أنه من شرائط الوجوب ، وكذلك فعل الناظم ، وتبع صاحب الهداية صاحب المذهب ، ومسبوك الذهب ، والخلاصة ، والهداية ، فقطعوا بأنهما من شرائط الوجوب ، وأطلقوا في المحرم الروايتين . وقطع في الإيضاح : أن المحرم شرط للوجوب ، وأطلق فيهما روايتين عكس صاحب الهداية ومن تابعه ، وقدم في التلخيص : أنهما من شرائط اللزوم كالمصنف ، وأطلق في المحرر الروايتين ، وظاهر كلامه في الفروع التفرقة ، فإنه أطلق فيهما الروايتين " منه وعنه " وقال : اختار الأكثر أنهما من شرائط الأداء . وقدم أن المحرم من شرائط الوجوب ، فموافقته للمجد تنافي ما اصطلحه في الفروع ، وظهر أن للمصنف في هذه المسألة ثلاث طرق في كتبه : الكافي ، والمقنع . والهادي .

تنبيهات : الأول : دخل في عموم كلام المصنف في قوله ( وهو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب ، أو بسبب مباح ) رابها وهو زوج أمها وربيبها وهو ابن زوجها وهو صحيح ، وهو المذهب ، نص عليهما . وعليه الأصحاب . [ ص: 413 ] ونقل الأثرم في أم امرأته : يكون محرما لها في حج الفرض فقط ، وهو من المفردات . قال الأثرم : كأنه ذهب إلى أنها لم تذكر في قوله تعالى { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن } الآية ، وعنه الوقف في نظر شعرها ، وشعر الربيبة ; لعدم ذكرهما في الآية ، وهي أيضا من المفردات .

الثاني : قوله ( نسب أو سبب مباح ) يحترز منه عن السبب غير المباح . كالوطء بشبهة أو زنا ، فليس بمحرم لأم الموطوءة وابنتها ; لأن السبب غير مباح ، قال المصنف وغيره : كالتحريم باللعان وأولى ، وعنه بلى . يكون محرما ، وهو قول في شرح الزركشي ، وأطلقهما في الحاوي الكبير ، واختاره ابن عقيل في الفصول في وطء الشبهة لا الزنا . وهو ظاهر ما في التلخيص ، فإنه قال : بسبب غير محرم ، واختاره الشيخ تقي الدين ، وذكره قول أكثر العلماء ; لثبوت جميع الأحكام ، فيدخل في الآية ، بخلاف الزنا .

الثالث : قال في الفروع : المراد والله أعلم بالشبهة ما جزم به جماعة : أنه الوطء الحرام مع الشبهة ، كالجارية المشتركة ونحوها . لكن ذكر الشيخ تقي الدين وأبو الخطاب في الانتصار ، في مسألة تحريم المصاهرة : أن الوطء في نكاح فاسد كالوطء بشبهة .

الرابع " ظاهر كلام المصنف هنا وجماعة : أن الملاعن يكون محرما للملاعنة ; لأنها تحرم عليه على التأبيد بسبب مباح . ولا أعلم به قائلا ، فلهذا قال الأدمي البغدادي ، وصاحب الوجيز : بسبب مباح لحرمتها ، وهو مراد من أطلق .

الخامس : قال الشيخ تقي الدين وغيره : وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين في التحريم ، دون المحرمية . انتهى . [ ص: 414 ] فيكون ذلك مستثنى من كلام من أطلق ، وقال في المحرر : المحرم زوجها ، أو من تحرم عليه أبدا . لا بد من تحريمها بوطء شبهة أو زنا ، فقيل : إنما قال ذلك : لئلا يرد عليه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ; لأن تحريمهن ، على المسلم أبدا بسبب مباح ، وهو الإسلام ، وليسوا بمحارم لهن ، فقيل : كان يجب استثناؤهن كما استثنى المزني بها . فأجيب : لانقطاع حكمهن ، فأورد عليه الملاعنة ، ولا جواب عنه .

السادس : ظاهر كلام المصنف : أن العبد ليس بمحرم لسيدته ; لأنها لا تحرم عليه على التأبيد . وهو صحيح ، وهو المذهب ، وعليه أكثر الأصحاب ، وجزم به كثير منهم ، قال الزركشي : هذا المذهب المشهور ، والمجزوم به عند الأكثرين . انتهى .

[ قال القاضي موفق الدين في شرح مناسك المقنع : وهو المشهور المعروف أمره ] ونقله الأثرم وغيره ، وكان أيضا لا يؤمن عليها كالأجنبي ، ولا يلزم من النظر المحرمية ، وعنه هو محرم لها ، قال المجد : لأن القاضي ذكر في شرح المذهب : أن مذهب أحمد أنه محرم ، وأطلقهما في المحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاويين .

[ السابع : ظاهر كلام المصنف وغيره : دخول العبد إذا كان قريبا قال في الفروع : وشرط كون المحرم ذكرا مكلفا مسلما ، نص عليه . وكذا قال في الرعاية الصغرى وغيره : واشترط الحرية في المحرم في الرعاية الكبرى ، وجزم به ] .

فوائد . الأولى : قوله ( إذا كان بالغا عاقلا ) . بلا نزاع ، وهو المذهب . وعليه الأصحاب ، ونص عليه : أنه يشترط فيه [ ص: 415 ] أيضا أن يكون مسلما ، وهو من مفردات المذهب ، جزم به ناظمها . قال في الفروع : ويتوجه اشتراط كون المسلم أمينا عليها ، قلت : وهو قوي في النظر . قال : ويتوجه أنه لا يعتبر إسلامه إن أمن عليها ، وقال في الرعاية : ويحتمل أن الذمي الكتابي محرم لابنته المسلمة ، إن قلنا : يلي نكاحها كالمسلم . انتهى ، قلت : يشكل هذا على قول الأصحاب : إنهم يمنعون من دخوله الحرم ، لكن لنا هناك قول بالجواز للضرورة ، أو للحاجة ، أو مطلقا ، فيتمشى هذا الاحتمال على بعض هذه الأقوال . الثانية : نفقة المحرم تجب عليها ، نص عليه ، فيعتبر أن تملك زادا وراحلة لها وله .

الثالثة : لو بذلت النفقة له لم يلزم المحرم غير عبدها السفر بها على الصحيح من المذهب ، وعنه لزمه . الرابعة : ما قاله صاحب الفروع : أن ظاهر كلامهم لو أراد أجرة لا تلزمها ، قال : ويتوجه أنها كنفقته كما في التغريب في الزنا ، وفي قائد الأعمى ، فدل ذلك كله على أنه لو تبرع لم يلزمها للمنة . قال : ويتوجه أن يجب للمحرم أجرة مثله لا النفقة كقائد الأعمى ، ولا دليل يخص وجوب النفقة .

الخامسة : إذا أيست المرأة من المحرم ، وقلنا : يشترط للزوم السعي ، أو كان ووجد ، وفرطت بالتأخير حتى عدم : فعنه تجهز رجلا يحج عنها ، قلت : وهو أولى كالمغصوب ، وعنه ما يدل على المنع ، وأطلقهما المجد في شرحه . وصاحب الفروع ، قال المجد : يمكن حمل المنع على أن تزوجها لا يبعد عادة ، والجواز على من أيست ظاهرا أو عادة ، لزيادة سن أو مرض أو غيره مما يغلب على ظنها عدمه . [ ص: 416 ] ثم إن تزوجت أو استنابت من لها محرم ، ثم فقد ، فهي كالمعضوب ، وقال الآجري ، وأبو الخطاب في الانتصار : إن لم يكن محرم سقط فرض الحج ببدنها ، ووجب أن يحج عنها غيرها . قال في الفروع : وهو محمول على الإياس . قال في التبصرة : إن لم تجد محرما فروايتان ; لتردد النظر في حصول الإياس منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث