الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

( حرف الهمزة )

جزء التالي صفحة
السابق

75 - " أتاكم أهل اليمن؛ هم أضعف قلوبا؛ وأرق أفئدة؛ الفقه يمان؛ والحكمة يمانية " ؛ (ق ت) ؛ عن أبي هريرة ؛ (صح).

التالي السابق


(أتاكم) ؛ جاءكم أيها الصحابة؛ وفي رواية لمسلم: " جاء" ؛ (أهل اليمن) ؛ أي: طائفة منهم؛ وهو وفد الأشعريين؛ ثم وفد حمير؛ قدموا عليه بتبوك؛ و" اليمن" : اسم لما عن يمين القبلة من بلاد الغور؛ (هم أضعف قلوبا) ؛ أعطفها؛ وأشفقها؛ وفي رواية للشافعي : " ألين قلوبا" ؛ جمع " قلب" ؛ وهو القوة المدركة؛ أو العقل؛ أو العضو؛ يعني: اللحم الصنوبري النابت بالجنب الأيسر؛ بناء على مذهب المتكلمين؛ من أنه محل العلم؛ والقوة المدركة قائمة به؛ لا بالدماغ؛ (وأرق أفئدة) ؛ ألينها؛ وأسرعها قبولا للحق؛ واستجابة للداعي؛ لأنهم أجابوا إلى الإسلام بدون محاربة؛ للين قلوبهم؛ بخلاف أهل المشرق؛ فهو وصف لهم بسلامة الفطرة؛ إذ القلب القاسي لا يقبل الحق؛ وإن كثرت دلائله: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ؛ ولا يقبل الآيات إلا من لان قلبه؛ فهو إلى نظر ما في الغيوب أقرب فهما في تفتيق خلال الحجب عن معرفة المراد؛ و" الفؤاد" : وسط القلب؛ أو غشاؤه؛ أو عينه؛ وصفه بوصفين؛ إشارة إلى أن بناء الإيمان على الشفقة والرأفة على الخلق؛ فمن كان في هذه الصفة أصفى قلبا؛ كان للحكمة أهلا؛ والمراد باللين خفض الجناح؛ والاحتمال؛ وترك الترفع؛ إذ لا يظهر هذا الجلال إلا فيمن لان قلبه؛ وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" ؛ فنتج أن أهل اليمن أكمل الناس إيمانا؛ وأن الحكمة من أوصاف من كمل إيمانه؛ قال بعض العارفين: وهذا مدح رفيع اختص به أهل اليمن؛ وإنما يلين القلب لرطوبة الرحمة؛ لأن المعرفة لا ينالها عبد إلا برحمة الله؛ فإذا لان القلب برطوبة الرحمة؛ ورق الفؤاد بحرارة النور؛ ضعف القلب؛ وذبلت النفس؛ فمن لان قلبه أجاب داعي الإيمان بنور الرحمة الذي ناله؛ ومن لم ينله قسا قلبه؛ وعسر انقياده؛ كغصن شجرة يابسة؛ إذا مددته تكسر؛ انتهى؛ وهذه صفة خواصهم؛ دون عوامهم؛ الذين أجابوا الأسود العنسي ؛ وطليحة الأسدي؛ لما ادعيا النبوة؛ على أنه أراد به في خصوص هذه الرواية قوما بأعيانهم؛ فأشار إلى من جاء منهم إلى بلدهم؛ كما ذكره ابن حجر؛ قال: وأبعد الحكيم الترمذي حيث زعم أن المراد به واحد؛ هو أويس القرني ؛ ولما وصفهم بالعطف والشفقة والرقة المقتضية لكمال الإيمان؛ أشار إلى أن ثمرة ذلك الفهم والحكمة؛ بقوله: (الفقه) ؛ أي: الفهم في الدين؛ أو أعم؛ قال الراغب : " الفقه" : التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد؛ فهو أخص من العلم: ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ؛ (يمان) ؛ أي: يمني؛ فالألف فيه عوض عن ياء النسبة؛ (والحكمة) ؛ قال القاضي: هي اشتغال النفس الإنسانية باقتباس النظريات؛ وكسب الملكة التامة؛ والمداومة على الأفعال الفاضلة؛ بقدر الطاقة البشرية؛ ولما لم يشمل تعريفه حكمة الله؛ قال بعض المحققين: " الحكمة" : العلم بالأشياء كما هي؛ والعمل بها كما ينبغي؛ قال ابن حجر؛ أخذا من كلام النووي: والمراد بها هنا العلم المشتمل على المعرفة بالله؛ وقال في موضع آخر: أصح ما قيل فيها: إنها وضع الشيء في محله؛ (يمانية) ؛ بتخفيف الياء؛ وتشدد؛ كما قيل في الاقتضاب؛ وحكاه المبرد وغيره؛ لغة نادرة؛ فلما كانت قلوبهم معادن الإيمان؛ وينابيع الحكمة؛ وكانت الخلتان منتهى هممهم؛ نسب الإيمان والحكمة إلى معادن نفوسهم؛ ومساقط رؤوسهم؛ كنسبة الشيء إلى مقره؛ ومن اتصف بشيء نسب إليه؛ إشعارا بكماله فيه؛ وإن شاركه غيره في ذلك الكمال؛ وقال ابن حجر: يحتمل أن المراد أن الإيمان يتأخر باليمن بعد فقده من جميع الأرض؛ [ ص: 94 ] حتى تقبض الريح الطيبة أرواح المؤمنين؛ وزعم أن المراد هنا الأنصار؛ لأنهم يمانية أصالة؛ فنسب الإيمان والحكمة إليهم رد بأن المخاطب بقوله: " أتاكم" ؛ الصحب؛ كما تقرر؛ وجمهورهم أهل الحرمين؛ وما حولهما؛ فعلم أن المبشر بهم غير المخاطبين.

(ق ت؛ عن أبي هريرة ) ؛ وروياه عنه أيضا من وجه آخر؛ بلفظ: " هم أرق أفئدة؛ وألين قلوبا؛ الإيمان يمان؛ والحكمة يمانية؛ والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل؛ والسكينة والوقار في أهل الغنم" .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث