الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

( حرف الهمزة )

جزء التالي صفحة
السابق

86 - " أتاني جبريل بقدر؛ فأكلت منها؛ فأعطيت قوة أربعين رجلا في الجماع " ؛ ابن سعد ؛ عن صفوان بن سليم ؛ مرسلا.

التالي السابق


(أتاني جبريل بقدر) ؛ أي: بطعام في قدر؛ ويأتي في خبر أنه " هريسة" ؛ وهي لحم وقمح يطبخان معا؛ كما في الوشاح؛ وزاد في رواية ذكرها في الأصل كغيره: يقال لها: " الكفيت" ؛ بالتصغير؛ و" القدر" ؛ بكسر؛ فسكون؛ إناء يطبخ فيه؛ وهي مؤنثة؛ وتصغيرها " قدير" ؛ بلا هاء؛ على غير قياس؛ (فأكلت) ؛ أي: فقال: " كل" ؛ فأكلت (منها) ؛ أي: مما فيها؛ وكان من طعام الجنة؛ لما رواه أبو نعيم في الطب؛ بإسناد رواه عن معاذ ؛ قيل: يا رسول الله؛ هل أتيت من طعام الجنة بشيء؟ قال: " نعم؛ أتاني جبريل بهريسة؛ فأكلتها؛ فزادت قوتي قوة أربعين رجلا في النكاح" ؛ (فأعطيت قوة) ؛ أي: قدرة (أربعين) ؛ فهي صفة الاقتدار على الشيء؛ و" القوة" ؛ من أعلى صفات الكمال؛ قال (تعالى) - في صفة جبريل -: ذي قوة ؛ (رجلا) ؛ في بعض الروايات حذف المميز؛ وهذه الرواية تفسره؛ وفي رواية زيادة " من أهل الجنة" ؛ و" الرجل" : الذكر من بني آدم؛ وقد يقال للجن أيضا؛ بخلاف الملك؛ فقد قال ابن حجر؛ كبعض المتقدمين: الملائكة ليسوا ذكورا؛ ولا إناثا؛ فلا يقال لهم: " رجال" ؛ وأما الجن فيتوالدون؛ فلا يمتنع أن يقال لهم: " رجال" ؛ (في الجماع) ؛ زاد أبو نعيم ؛ عن مجاهد : " وكل رجل من أهل الجنة يعطى قوة مائة" ؛ وصححه الترمذي ؛ وقال: غريب؛ وأربعون في مائة بأربعة آلاف؛ فإن قلت: هل للتمدح بكثرة الجماع للنبي - صلى الله عليه وسلم - من فائدة دينية؛ أو عقلية؛ لا يشاركه فيها غير الأنبياء من البرية؟ قلت: نعم؛ بل هي معجزة من معجزاته السنية؛ إذ قد تواتر تواترا معنويا أنه كان قليل الأكل؛ إذ الرحم يجذب قوة الرجل؛ ولا يجبر ذلك النقص إلا كثرة الغذاء؛ فكثرة الجماع لا تجامع قلة الغذاء عقلا؛ ولا طبا؛ ولا عرفا؛ إلا أن يقع على وجه خرق العادة؛ فكان من قبيل الجمع بين الضدين؛ وذلك من أعظم المعجزات؛ فتدبر؛ ثم رأيت بعضهم قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - القوة الظاهرة على الخلق في الوطء؛ وكان له في الأكل القناعة؛ ليجمع الله له الفضلين في الأمور الاعتيادية؛ كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية؛ ليكون كاملا في الدارين؛ حائزا للفخرين؛ فإن قلت: إذا كان الجماع مما يمتدح بكثرته؛ فكان القياس ألا يقتصر منهن على تسع؛ وقد كان لسليمان ألف حليلة؛ وما من فضيلة أوتيها نبي إلا وقد أوتي جامع الرسل مثلها؛ أو أعلى؛ قلت: قلة عدد النسوة مع كثرة الجماع أظهر في المعجزة؛ لأن كثرته في قليلهن أقوى من الكثير في الكثير؛ بشهادة الوجدان؛ قيل: وفيه أن له الزيادة على تسع؛ لأنه لما أعطي قوة ما ذكر من العدد؛ فله التزوج بقدر ما أعطي من القوة؛ وليس في محله؛ إذ العدد القليل منهن يكفي العدد الكثير من الرجال؛ ثم إنه لم يبين هذا المأكول الذي في القدر؛ وبينه في خبر الدارقطني عن جابر ؛ وابن عباس ؛ [ ص: 100 ] مرفوعا: " أطعمني جبريل الهريسة؛ أشد بها على ظهري؛ وأتقوى بها على الصلاة" ؛ انتهى؛ قال الذهبي : وهو واه؛ وقال بعضهم: ضعيف جدا؛ بل ألف الحافظ ابن ناصر الدين فيه جزءا؛ ذكر فيه أنه موضوع؛ سماه " رفع الدسيسة عن أخبار الهريسة" .

(تنبيه) : أخذ بعضهم من هذا الحديث أنه يندب للرجل تناول ما يقوي شهوته للوقاع؛ كالأدوية المقوية للمعدة؛ لتعظم شهوتها للطعام؛ وكالأدوية المثيرة للشهوة؛ ورده الغزالي بأن المصطفى إنما فعل ذلك لأنه كان عنده منهن العدد الكثير؛ ويحرم على غيره نكاحهن إن طلقهن؛ فكان طلبه القوة لهذا المعنى؛ لا للتلذذ والتنعم؛ وبأنه لا يشتغل قلبه عن ربه بشيء؛ فلا تقاس الملائكة بالحدادين؛ قال: وما مثال من يفعل ما يعظم شهوته إلا كمن بلي بسباع ضارية؛ وبهائم عادية؛ فينام عنه أحيانا؛ فيحتال لإثارتها وتهييجها؛ ثم يشتغل بعلاجها وإصلاحها؛ فإن شهوة الطعام والوقاع على التحقيق آلام يراد التخلص منها والتداوي لدفعها عند كمل المؤمنين؛ وأساطين المتقين؛ ووجوه العارفين.

( ابن سعد ) ؛ في طبقاته؛ (عن صفوان بن سليم ) ؛ الزهري التابعي؛ (مرسلا) ؛ هو الإمام القدوة؛ ممن يستشفى بذكره؛ قيل: لم يضع جنبه الأرض منذ أربعين سنة؛ ومناقبه سائرة؛ والحديث وصله أبو نعيم والديلمي من حديث صفوان ؛ عن عطاء ؛ عن أبي هريرة يرفعه؛ ورواه الخطيب وابن السني في الطب؛ عن حذيفة ؛ مرفوعا؛ ثم إن فيه سفيان بن وكيع ؛ قال الذهبي عن أبي زرعة : متهم بالكذب؛ وأورده ابن الجوزي في الموضوعات؛ ونازعه المؤلف بما حاصله أن له شواهد.


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث