الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

( حرف الهمزة )

جزء التالي صفحة
السابق

294 - " أخسر الناس صفقة رجل أخلق يديه في آماله؛ ولم تساعده الأيام على أمنيته؛ فخرج من الدنيا بغير زاد؛ وقدم على الله (تعالى) بغير حجة " ؛ ابن النجار؛ في تاريخه؛ عن عامر بن ربيعة ؛ وهو مما بيض له الديلمي .

التالي السابق


(أخسر الناس صفقة) ؛ أي: من أشد المؤمنين خسرانا للثواب؛ وأعظمهم حسرة يوم المآب؛ و" الخسران" : انتقاص رأس المال؛ ثم استعمل في المقتنيات الخارجة؛ كالمال؛ والجاه؛ وأكثر استعماله في النفيس منها؛ كصحة؛ وسلامة؛ وعقل؛ وإيمان؛ وثواب؛ وهو المراد هنا؛ ذكره الراغب ؛ قال الزمخشري : ومن المجاز: " خسرت تجارته؛ وربحت" ؛ و" من لم يطع الله فهو خاسر" ؛ قال الزمخشري : و" الصفقة" ؛ في الأصل: ضرب اليد على اليد؛ في البيع؛ والبيعة؛ ومن المجاز: " له وجه صفيق" ؛ (رجل) ؛ وصف طردي؛ والمراد: مكلف؛ (أخلق) ؛ من قولهم: " حجر أخلق" ؛ أي: أملس؛ لا شيء عليه؛ و" الأخلق" : الفقير؛ و" أخلق الثوب" ؛ لبسه حتى بلي؛ والمراد هنا: أتعب؛ (يديه) ؛ وأفقرهما؛ بالكد؛ والجهد؛ وعبر بهما لأن المزاولة بهما غالبا؛ (في) ؛ بلوغ (آماله) ؛ جمع " أمل" ؛ وهو الرجاء؛ وأكثر استعماله في مستبعد الحصول؛ (ولم تساعده) ؛ أي: لم تعاونه؛ (الأيام) ؛ أي: الأوقات؛ (على) ؛ بلوغ؛ (أمنيته) ؛ أي: حصول مطلوبه؛ من المال؛ والمناصب؛ والجاه؛ ونحوها؛ بل عاكسته؛ وعندته؛ فهو لا يزال يتشبث بالطمع الفارغ؛ والرجاء الكاذب؛ ويتمنى على الله ما لا تقتضيه حكمته؛ ولم تسبق به كلمته؛ قال بعض العارفين: أماني النفس: حديثها بما ليس عندها؛ ولها حلاوة؛ إذا استصحبها عبد لا يفلح أبدا؛ وأهل الدنيا فريقان؛ فريق يتمنون ما يتمنون؛ ولا يعطون إلا بعضا منه؛ وكثير منهم يتمنون ذلك البعض؛ وقد حرموه؛ فاجتمع عليهم فقر الدنيا؛ وفقر الآخرة؛ فصاروا أخسر الناس صفقة؛ وأما المؤمن المتقي؛ فقد حاز مراده؛ وهو غنى القلب؛ المؤدي لغنى الآخرة؛ فما يبالي أوتي حظا من الدنيا؛ أو لا؛ فإن أوتي منها؛ وإلا فربما كان الفقر خيرا له؛ وأعون على مراده؛ فهو أربح الناس صفقة؛ واشتقاق الأمنية من " منى" ؛ إذا قدر؛ لأن التمني يقدر في نفسه؛ ويجوز ما يتمناه؛ (فخرج من الدنيا) ؛ بالموت؛ (بغير زاد) ؛ يوصله إلى المعاد؛ وينفعه يوم يقوم الأشهاد؛ ويفصل بين العباد؛ لأن خير الزاد إلى الآخرة اتقاء القبائح؛ وهذا قد تلطخ بأقذارها القبيحة الخبيثة الروائح؛ فهو مهلك لنفسه باسترساله مع الأمل؛ وهجره للعمل؛ حتى تتابعت على قلبه ظلمات الغفلة؛ وغلب عليه رين القسوة؛ ولم يسعفه المقدور بنيل مرامه من ذلك الحطام الفاني؛ فلم يزل مغمورا مقهورا مغموما؛ إلى أن فرق ملك الموت بينه وبين آماله؛ وكل جارحة منه متعلقة بالدنيا؛ التي فاتته؛ فهي تجاذبه إلى الدنيا؛ ومخاليب ملك الموت قد علقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة؛ التي لا يريدها؛ (وقدم على الله (تعالى) بغير حجة) ؛ أي: معذرة يعتذر بها؛ وبرهان يتمسك به على تفريطه بتضييعه عمره النفيس في طلب شيء خبيث خسيس؛ وإعراضه عن عبادة ربه؛ التي إنما خلق لأجلها؛ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ؛ قال الغزالي: ومن كان هذا حاله؛ فهو كالأنعام؛ بل هو [ ص: 215 ] أضل؛ إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة؛ والقدرة؛ التي بها تجاهد الشهوات؛ وهذا قد خلق له؛ وعطله؛ فهو الناقص عقلا؛ المدبر يقينا؛ وقيل في المعنى:


ولم أر في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام



وفي الحديث إلزام للحجة؛ ومبالغة في الإنذار؛ وتنبيه على إيثار التلذذ والتنعم؛ مما يؤدي إلى طول الأمل؛ وتعطل العمل؛ وهذا هجيرا أكثر الناس؛ ليست من أخلاق المؤمنين؛ ومن ثم قيل: التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين؛ ذكره كله الزمخشري .

(ابن النجار) ؛ محب الدين؛ (في تاريخه) ؛ تاريخ بغداد؛ (عن عامر بن ربيعة ) ؛ بفتح الراء؛ وكسر الموحدة؛ ابن كعب بن مالك العنزي؛ بفتح المهملة؛ وسكون النون؛ وبزاي؛ حليف آل الخطاب؛ من المهاجرين الأولين؛ شهد " بدرا" ؛ وما بعدها؛ (وهو مما بيض له الديلمي ) ؛ لعدم وقوفه له على سند.


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث