الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

مختصر كتاب الصدقات من كتابين قديم وجديد ( قال الشافعي ) رحمه الله فرض الله تبارك وتعالى على أهل دينه المسلمين في أموالهم حقا لغيرهم من أهل دينه المسلمين المحتاجين إليه لا يسعهم حبسه عمن أمروا بدفعه إليه أو ولاته ولا يسع الولاة تركه لأهل الأموال ; لأنهم أمناء على أخذه لأهله ولم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخره عاما لا يأخذها فيه وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها .

( قال ) فإذا أخذت صدقة مسلم دعي له بالأجر والبركة كما قال تعالى { وصل عليهم } أي ادع لهم .

( قال ) والصدقة هي الزكاة والأغلب على أفواه العامة أن للثمر عشرا وللماشية صدقة وللورق زكاة وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كله صدقة فما أخذ من مسلم من زكاة مال ناض أو ماشية أو زرع أو زكاة فطر أو خمس ركاز أو صدقة معدن أو غيره مما وجب عليه في ماله بكتاب أو سنة أو إجماع عوام المسلمين فمعناه واحد وقسمه واحد وقسم الفيء خلاف هذا فالفيء ما أخذ من مشرك تقوية لأهل دين الله وله موضع غير هذا الموضع ، وقسم الصدقات كما قال الله تعالى { إنما الصدقات للفقراء [ ص: 256 ] والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل } ثم أكدها وشددها فقال { فريضة من الله } الآية وهي سهمان ثمانية لا يصرف منها سهم ولا شيء منه عن أهله ما كان من أهله أحد يستحقه ولا يخرج عن بلد وفيه أهله ، { وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم } .

( قال الشافعي ) وترد حصة من لم يوجد من أهل السهمان على من وجد منهم ويجمع أهل السهمان أنهم أهل حاجة إلى مالهم منها وأسباب حاجتهم مختلفة ، وكذلك أسباب استحقاقهم معان مختلفة فإذا اجتمعوا فالفقراء الزمنى الضعاف الذين لا حرفة لهم وأهل الحرفة الضعيفة الذين لا تقع في حرفتهم موقعا من حاجتهم ولا يسألون الناس ( وقال ) وفي الجديد زمنا كان أولى أو غير زمن سائلا أو متعففا .

( قال الشافعي ) والمساكين السؤال ومن لا يسأل ممن له حرفة لا تقع منه موقعا ولا تغنيه ولا عياله وقال في الجديد سائلا كان أو غير سائل .

( قال المزني ) أشبه بقوله ما قاله في الجديد ; لأنه قال : لأن أهل هذين السهمين يستحقونهما بمعنى العدم وقد يكون السائل بين من يقل معطيهم وصالح متعفف بين من يبدونه بعطيتهم .

( قال الشافعي ) رحمه الله إن كان رجل جلد يعلم الوالي أنه صحيح مكتسب يغني عياله أو لا عيال له يغني نفسه بكسبه لم يعطه ، فإن قال الجلد : لست مكتسبا لما يغنيني ولا يغني عيالي ، وله عيال وليس عند الوالي يقين ما قال فالقول قوله ; واحتج بأن { رجلين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه من الصدقة فقال إن شئتما ولا حظ فيها لغني ولا لذي مرة مكتسب } .

( قال الشافعي ) رأى عليه الصلاة والسلام صحة وجلدا يشبه الاكتساب فأعلمهما أنه لا يصلح لهما مع الاكتساب ولم يعلم أمكتسبان أم لا فقال " إن شئتما " بعد أن أعلمتكما أن لا حظ فيها لغني ولا لمكتسب فعلت .

( قال ) والعاملون عليها من ولاه الوالي قبضها ومن لا غنى للوالي عن معونته عليها ، وأما الخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي لا يلي قبض الصدقة ، وإن كانا من القائمين بالأمر بأخذها فليسا عندنا ممن له فيها حق ; لأنهما لا يليان أخذها وشرب عمر رضي الله عنه لبنا فأعجبه فأخبر أنه من نعم الصدقة فأدخل أصبعه فاستقاءه .

( قال ) ويعطى العامل بقدر غنائه من الصدقة ، وإن كان موسرا ; لأنه يأخذه على معنى الإجارة .

( قال ) والمؤلفة قلوبهم في متقدم الأخبار ضربان ضرب مسلمون أشراف مطاعون يجاهدون مع المسلمين فيقوى المسلمون بهم ولا يرون من نياتهم ما يرون من نيات غيرهم فإذا كانوا هكذا فأرى أن يعطوا من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خمس الخمس ما يتألفون به سوى سهامهم مع المسلمين وذلك أن الله تعالى جعل هذا السهم خالصا لنبيه صلى الله عليه وسلم فرده في مصلحة المسلمين ( واحتج ) بأن { النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة يوم حنين من الخمس مثل عيينة والأقرع وأصحابها ولم يعط عباد بن مرداس وكان شريفا عظيم الغناء حتى استعتب فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم } .

( قال الشافعي ) رحمه الله لما أراد ما أراد القوم احتمل أن يكون دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء حين رغب عما صنع بالمهاجرين والأنصار فأعطاه على معنى ما أعطاهم واحتمل أن يكون رأى أن يعطيه من ماله حيث رأى أن يعطيه ; لأنه له صلى الله عليه وسلم خالصا للتقوية بالعطية ولا نرى أن قد وضع من شرفه فإنه صلى الله عليه وسلم قد أعطى من خمس الخمس النفل ، وغير النفل ; لأنه له وأعطى صفوان بن أمية ولم يسلم ولكنه أعاره أداة فقال فيه عند الهزيمة أحسن مما قال بعض من أسلم من أهل مكة عام الفتح وذلك أن الهزيمة كانت في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين أول النهار فقال له رجل غلبت هوازن وقتل محمد صلى الله عليه وسلم فقال صفوان بن أمية بفيك الحجر [ ص: 257 ] فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب من هوازن ثم أسلم قومه من قريش وكان كأنه لا يشك في إسلامه ، والله تعالى أعلم .

( قال الشافعي ) فإذا كان مثل هذا رأيت أن يعطى من سهم النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أحب إلي للاقتداء بأمره صلى الله عليه وسلم ( ولو قال ) قائل كان هذا السهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان له أن يضع سهمه حيث يرى فقد فعل هذا مرة وأعطى من سهمه بخيبر رجالا من المهاجرين والأنصار ; لأنه ماله يضعه حيث رأى ولا يعطي أحدا اليوم على هذا المعنى من الغنيمة ولم يبلغنا أن أحدا من خلفائه أعطى أحدا بعده ، ولو قيل : ليس للمؤلفة في قسم الغنيمة سهم مع أهل السهمين كان مذهبا ، والله أعلم .

( قال ) وللمؤلفة في قسم الصدقات سهم والذي أحفظ فيه من متقدم الخبر أن عدي بن حاتم جاء إلى أبي بكر الصديق أحسبه بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا وأمره أن يلحق بخالد بن الوليد بمن أطاعه من قومه فجاءه بزهاء ألف رجل وأبلى بلاء حسنا والذي يكاد يعرف القلب بالاستدلال بالأخبار أنه أعطاه إياها من سهم المؤلفة ، فإما زاده ترغيبا فيما صنع وإما ليتألف به غيره من قومه ممن لم يثق منه بمثل ما يثق به من عدي بن حاتم .

( قال ) فأرى أن يعطى من سهم المؤلفة قلوبهم في مثل هذا المعنى إن نزلت بالمسلمين نازلة - ولن تنزل إن شاء الله تعالى - وذلك أن يكون العدو بموضع منتاط لا يناله الجيش إلا بمؤنة ويكون بإزاء قوم من أهل الصدقات فأعان عليهم أهل الصدقات إما بلية فأرى أن يقووا بسهم سبيل الله من الصدقات ، وإما أن لا يقاتلوا إلا بأن يعطوا سهم المؤلفة أو ما يكفيهم منه ، وكذا إذا انتاط العدو وكانوا أقوى عليه من قوم من أهل الفيء يوجهون إليه ببعد ديارهم وثقل مؤناتهم ويضعفون عنه فإن لم يكن مثل ما وصفت مما كان في زمن أبي بكر رضي الله عنه من امتناع أكثر العرب بالصدقة على الردة وغيرها لم أر أن يعطى أحد من سهم المؤلفة ولم يبلغني أن عمر ولا عثمان ولا عليا رضي الله عنهم أعطوا أحدا تألفا على الإسلام وقد أغنى الله - فله الحمد - الإسلام عن أن يتألف عليه رجال .

( وقال في الجديد ) لا يعطى مشرك يتألف على الإسلام ; لأن الله تعالى خول المسلمين أموال المشركين لا المشركين أموال المسلمين وجعل صدقات المسلمين مردودة فيهم .

( قال ) والرقاب المكاتبون من حيز إنما الصدقات ، والله أعلم . ولا يعتق عبد يبتدأ عتقه فيشترى ويعتق ( والغارمون ) صنفان صنف دانوا في مصلحتهم أو معروف وغير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد فيعطون في غرمهم لعجزهم فإن كانت لهم عروض يقضون منها ديونهم فهم أغنياء لا يعطون حتى يبرءوا من الدين ثم لا يبقى لهم ما يكونون به أغنياء ، وصنف دانوا في صلاح ذات بين ومعروف ولهم عروض تحمل حمالاتهم أو عامتها ، وإن بيعت أضر ذلك بهم ، وإن لم يفتقروا فيعطى هؤلاء وتوفر عروضهم كما يعطى أهل الحاجة من الغارمين حتى يقضوا سهمهم ( واحتج ) بأن { قبيصة بن المخارق قال : تحملت بحمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال نؤديها عنك أو نخرجها عنك إذا قدم نعم الصدقة يا قبيصة المسألة حرمت إلا في ثلاث رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك ورجل أصابته فاقة أو حاجة حتى شهد أو تكلم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن به فاقة أو حاجة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش ثم يمسك ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له الصدقة حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش ثم يمسك وما سوى ذلك من المسألة فهو سحت } .

( قال الشافعي ) رحمه الله بهذا قلت في الغارمين وقول النبي صلى الله عليه وسلم { تحل له المسألة في الفاقة والحاجة } يعني - والله أعلم - من سهم الفقراء والمساكين لا الغارمين وقوله { حتى يصيب سدادا من عيش } يعني - والله أعلم - أقل اسم [ ص: 258 ] الغناء ولقول النبي صلى الله عليه وسلم { لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني } فبهذا قلت : يعطى الغازي والعامل ، وإن كانا غنيين والغارم في الحمالة على ما أبان عليه السلام لا عاما ، ويقبل قول ابن السبيل إنه عاجز عن البلد ; لأنه غير قوي حتى تعلم قوته بالمال ، ومن طلب بأنه يغزو أعطي ومن طلب بأنه غارم أو عبد بأنه مكاتب لم يعط إلا ببينة ; لأن أصل الناس أنه غير غارمين حتى يعلم غرمهم والعبيد غير مكاتبين حتى تعلم كتابتهم ومن طلب بأنه من المؤلفة لم يعط إلا بأن يعلم ذلك ، وما وصفت أنه يستحقه به وسهم سبيل الله كما وصفت يعطى منه من أراد الغزو من أهل الصدقة فقيرا كان أو غنيا ولا يعطى منه غيرهم إلا أن يحتاج إلى الدفع عنهم فيعطاه من دفع عنهم المشركين ; لأنه يدفع عن جماعة أهل الإسلام ، وابن السبيل عندي ابن السبيل من أهل الصدقة الذي يريد البلد غير بلده لأمر يلزمه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث