الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة الأولى الشرط الأول أن يكون الموهوب له مسلما حرا ، جائز التصرف

الأمر الثالث: الهبة لغير جائز التصرف:

لا يشترط كون الموهوب له جائز التصرف، فتصح الهبة للصبي، والمجنون، والمغمى عليه، والنائم، والسفيه باتفاق الفقهاء.

والدليل على ذلك: عموم أدلة مشروعية الهبة.

لكن اختلف العلماء رحمهم الله فيما يتعلق بصحة قبول هؤلاء للهبة، وتحت هذا فروع:

الفرع الأول: قبول المجنون للهبة:

لا يصح قبول المجنون للهبة باتفاق الفقهاء، لكن يقبل عنه وليه.

[ ص: 376 ] والدليل على ذلك:

1 - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة هبة المجنون.

2 - وأما كون وليه يقبل عنه: فلأن وليه يتصرف عنه بما فيه مصلحته; لقوله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا .

الفرع الثاني: قبول المعتوه للهبة:

تقدم أن المعتوه ينقسم إلى حالتين:

الحال الأول: معتوه لا إدراك معه.

فهذا حكمه حكم المجنون، وتقدم عدم صحة قبول المجنون، وإنما يقبل عنه وليه.

الحال الثانية: معتوه معه إدراك، وهذا حكمه حكم الصبي المميز، ويأتي صحة قبول الصبي المميز للهبة.

الفرع الثالث: قبول النائم، والمغمى عليه:

تقدم أن النائم والمغمى عليه لا تصح هبته بالإجماع، وتقدم الدليل على ذلك.

وعليه فيقبل عنه وليه; لما تقدم من أن ولي المجنون يقبل عنه، وتقدم شرط الإيجاب والقبول.

[ ص: 377 ] الفرع الرابع: قبول الصبي للهبة:

أما الصبي غير المميز، فلا يصح قبوله للهبة، كما تقدم من عدم اعتبار قوله، وتقدم الدليل على ذلك.

وعلى هذا يقبل عنه وليه; لما تقدم قريبا من أن المجنون يقبل عنه وليه، وتقدم بيان شروط الإيجاب والقبول.

وأما قبول الهبة من الصبي المميز، فقد اختلف الفقهاء في صحة قبول الصبي المميز للهبة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: صحة قبول الصبي المميز للهبة:

وبهذا قال الحنفية، وهو مقتضى مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفق ابن قدامة.

القول الثاني: أن قبول الصبي المميز للهبة صحيح موقوف على إجازة الولي: وإليه ذهب المالكية.

وقالوا: يتعين على الولي إجازة تصرف الصبي المميز في هذه الحالة.

وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.

[ ص: 378 ] القول الثالث: عدم صحة قبول الصبي المميز للهبة:

وبهذا قال الشافعية.

الأدلة:

دليل القول الأول:

استدل القائلون بصحة اتهاب الصبي المميز:

أن الصبي المميز من أهل التصرف في الجملة، وما يصدره من عقود نافعة يعد محض مصلحة، ولا ضرر فيه، فيصح من غير إذن وليه قياسا على كسب المباحات، كالاحتطاب، والاصطياد، ونحوهما.

دليل القول الثاني:

استدل القائلون بوقف قبول الصبي المميز للهبة على إجازة الولي:

أن إصدار العقود من التصرفات، والصبي المميز ليس لديه أهلية تصرف، فتبقى تصرفاته موقوفة على إجازة وليه.

ويناقش هذا: بعدم التسليم به; فالصبي المميز من أهل التصرف، ولا يحتاج إلى إذن وليه فيما تمحضت فيه مصلحته; لأن الولي ما وضع إلا لمصلحة الصبي.

أدلة القول الثالث:

استدل القائلون بعدم صحة قبول الصبي المميز للهبة بأدلة:

1. حديث عائشة رضي الله عنها: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ...".

[ ص: 379 ] وقد ذكر النووي - رحمه الله - وجه الاستدلال من هذا الحديث: أن مقتضى الحديث إسقاط أقواله وأفعاله.

2. أن الصبي المميز غير مكلف، فلا يصح قبوله للهبة مطلقا كالمجنون وغير المميز.

ويناقش هذا الدليل: بأنه قياس مع الفارق، فالصبي المميز عنده أهلية أداء قاصرة، فلا يقاس على المجنون وغير المميز; لأنهما ليس لديهما أهلية أداء البتة.

الترجيح:

الراجح - والله أعلم - صحة قبول الصبي المميز للهبة; لقوة دليله، وضعف دليل المخالف بمناقشة.

الفرع الخامس: قبول السفيه للهبة:

اختلف العلماء رحمهم في حكم قبول السفيه للهبة على أقوال:

القول الأول: صحة قبول السفيه للهبة:

وهذا مذهب الحنفية، وهو مقتضى مذهب المالكية، والأصح عند [ ص: 380 ] الشافعية، وهو وجه عند الحنابلة، صوبه المرداوي.

القول الثاني: عدم صحة قبول السفيه للهبة:

وهذا وجه عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة.

القول الثالث: صحة قبول السفيه للهبة إذا أذن له الولي:

وهذا مذهب الحنابلة.

الأدلة:

دليل القول الأول: استدل القائلون بصحة قبول السفيه:

بأن تصحيح قبول السفيه للهبة نفع محض، ليس فيه تفويت مال، بل تحصيله.

دليل القول الثاني:

يمكن أن يستدل للقائلين بعدم صحة قبول السفيه للهبة: [ ص: 381 ] بأن السفيه محجور عليه، والحجر يقتضي المنع من جميع التصرفات، ومنها العقود النافعة له، كقبول الهبة.

ويناقش هذا الدليل: بأن الغاية من الحجر على السفيه حفظ ماله، وعدم تضييعه، وليس في تصحيح عقوده النافعة له نفعا محضا - كقبول الهبة والوصية ونحوهما - ضرر عليه وتضييع لماله، بل فيه تحصيله، فكان من مصلحة السفيه تصحيح قبوله لها.

دليل القول الثالث:

استدل القائلون بصحة قبول السفيه للهبة إذا أذن له الولي: بقياس السفيه على الصبي المميز، فإذا صح تصرف المميز بإذن وليه، فلأن يصح تصرف السفيه بإذن وليه أولى.

الترجيح:

ترجح لي - والله أعلم - القول بصحة قبول السفيه للهبة من غير توقف على إذن الولي; لأن الشارع إنما حجر على السفيه لمصلحته، فإذا تحققت مصلحته في عقد نافع له، كقبول الهبة والوصية ونحوهما لم يتردد في تصحيح صيغته ونفاذ عقده من غير اشتراط إذن الولي، وهل وضع الولي إلا لمصلحة السفيه؟ والمصلحة متحققة هنا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث