الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فيما يصرف الفيء ، إذا لم يوجف عليه بقتال

3302 باب فيما يصرف الفيء ، إذا لم يوجف عليه بقتال

وذكره النووي في (باب حكم الفيء) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 71 - 74 ج 12 المطبعة المصرية

[وحدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي. حدثنا جويرية عن مالك، عن الزهري، أن مالك بن أوس حدثه قال أرسل إلي عمر بن الخطاب فجئته حين تعالى النهار. قال: فوجدته في بيته جالسا على سرير، مفضيا إلى رماله، متكئا على وسادة من أدم. فقال لي: يا مال! إنه قد دف أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم برضخ، فخذه فاقسمه بينهم. قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري؟ قال: خذه. يا مال! قال: فجاء يرفا. فقال: هل لك، يا أمير المؤمنين! في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد فقال عمر: نعم. فأذن لهم، فدخلوا. ثم جاء فقال: هل لك في عباس؟ وعلي قال: نعم. فأذن لهما فقال عباس يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن.

[ ص: 25 ] فقال القوم: أجل. يا أمير المؤمنين! فاقض بينهم وأرحهم. فقال مالك بن أوس: يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك) فقال عمر: اتئدا. أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة قالوا: نعم. ثم أقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث. ما تركناه صدقة؟" قالا: نعم. فقال: عمر إن الله جل وعز كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره قال "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول" ( ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا؟) قال: فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النضير. فوالله! ما استأثر عليكم. ولا أخذها دونكم. حتى بقي هذا المال. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسوة المال. ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون ذلك قالوا: نعم. ثم نشد عباسا وعليا بمثل ما نشد به القوم أتعلمان ذلك قالا نعم قال فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها فقال أبو بكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نورث. ما تركناه صدقة" فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفي أبو بكر.

[ ص: 26 ] وأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولي أبي بكر. فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا. والله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق. فوليتها ثم جئتني أنت وهذا. وأنتما جميع. وأمركما واحد. فقلتما: ادفعها إلينا. فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما، على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها، بالذي كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذتماها بذلك قال: أكذلك؟ قالا: نعم. قال: ثم جئتماني لأقضي بينكما. ولا، والله! لا أقضي بينكما بغير ذلك، حتى تقوم الساعة. فإن عجزتما عنها، فرداها إلي]
.

التالي السابق


(الشرح)

(عن مالك بن أوس ، قال : أرسل إلي عمر بن الخطاب ) رضي الله عنه ، (فجئته حين تعالى النهار) أي : ارتفع . وهو معنى " متع النهار" ، بفتح التاء . كما وقع في رواية البخاري .

قال : فوجدته في بيته جالسا على سرير ، مفضيا إلى رماله) بضم الراء وكسرها . هو ما ينسج من سعف النخل ونحوه ، ليضطجع عليه .

ومعنى "الإفضاء " : ليس بينه وبين رماله شيء. وإنما قال هذا ، لأن العادة أن يكون فوق الرمال فراش أو غيره) .

[ ص: 27 ] (متكئا على وسادة من أدم) . وهذا كله من دلائل زهد الفاروق ، " رضي الله عنه " .

(فقال لي يا مال !) هكذا هو في جميع النسخ . وهو ترخيم " مالك " بحذف الكاف . ويجوز كسر اللام وضمها . وجهان مشهوران لأهل العربية . فمن كسرها ، تركها على ما كانت . ومن ضمها ، جعله اسما مستقلا .

(إنه قد دف أهل أبيات من قومك) .

" الدف " : المشي بسرعة . كأنهم جاءوا مسرعين، للضر الذي نزل بهم .

وقيل : السير اليسير .

(وقد أمرت فيهم برضخ) بإسكان الضاد ، وبالخاء . وهي : العطية القليلة .

(فخذه فاقسمه بينهم . قال : قلت : لو أمرت بهذا غيري ؟ قال : خذه يا مال ! قال : فجاء يرفا) بفتح الياء وإسكان الراء ، وبالفاء غير مهموز . هكذا ذكره الجمهور . ومنهم من همزه.

وفي سنن البيهقي ، في باب الفيء : " اليرفا " بالألف واللام . وهو حاجب عمر بن الخطاب ، " رضي الله عنه " .

[ ص: 28 ] (فقال : هل لك ، يا أمير المؤمنين ! في عثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير ، وسعد ؟ فقال عمر : نعم . فأذن لهم فدخلوا . ثم جاء فقال : هل لك في عباس ، وعلي ؟ قال : نعم . فأذن لهما . فقال عباس : يا أمير المؤمنين ! اقض بيني وبين هذا) وذكر كلاما ، نصه عند مسلم في هذه الرواية : (الكاذب الآثم الغادر الخائن) .

قال النووي : قال جماعة من العلماء : معناه " هذا الكاذب ، إن لم ينصف " . فحذف الجواب . وقال عياض : قال المازري : هذا اللفظ الذي وقع ، لا يليق ظاهره بالعباس . وحاش لعلي أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف ، فضلا عن كلها . ولسنا نقطع بالعصمة إلا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولمن شهد له بها . لكنا مأمورون بحسن الظن بالصحابة رضي الله عنهم ، ونفي كل رذيلة عنهم . وإذا انسدت طرق تأويلها ، نسبنا الكذب إلى رواتها. قال: وقد حمل هذا المعنى بعض الناس : على أن أزال هذا اللفظ من نسخته ، تورعا عن إثبات مثل هذا. ولعله حمل الوهم على رواته .

قال : وإذا كان هذا اللفظ لا بد من إثباته ، ولم نضف الوهم إلى رواته ; فأجود ما حمل عليه : أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه ، لأنه بمنزلة ابنه . وقال ما لا يعتقده ، وما يعلم براءة ذمة ابن أخيه منه . ولعله قصد بذلك : ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه ، وأن هذه الأوصاف يتصف بها ، لو كان يفعل ما يفعله عن قصد. وأن [ ص: 29 ] عليا كان لا يراها إلا موجبة لذلك ، في اعتقاده . وهذا كما يقول المالكي : شارب النبيذ ناقص الدين . والحنفي : يعتقد أنه ليس بناقص . فكل واحد محق في اعتقاده . ولا بد من هذا التأويل ، لأن هذه القضية جرت في مجلس فيه : عمر " رضي الله عنه " ، وهو الخليفة . وعثمان ، وسعد ، وزبير ، وعبد الرحمن . " رضي الله عنهم ". ولم ينكر أحد منهم هذا الكلام ، مع تشددهم في إنكار المنكر . وما ذلك إلا لأنهم فهموا بقرينة الحال : أنه تكلم بما لا يعتقد ظاهره ، مبالغة في الزجر .

(قال: فقال القوم: أجل . يا أمير المؤمنين ! فاقض بينهم وأرحهم. " فقال مالك بن أوس : يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك " . فقال عمر : اتئدا) أي : اصبرا ، وأمهلا (أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض !) أي : أسألكم بالله . مأخوذ من "النشيد" وهو رفع الصوت . يقال : أنشدتك ، ونشدتك ، بالله (أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم قال : " لا نورث . ما تركنا صدقة ؟") بالرفع . " وما " بمعنى الذي . أي : الذي تركناه فهو صدقة .

وقد ذكر مسلم من حديث عائشة رفعته : "لا نورث ، ما تركناه فهو صدقة " . قال النووي : وإنما نبهت على هذا ، لأن بعض جهلة الشيعة يصحفه .

قال العلماء : والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون : أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته ، فيهلك . ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثهم ، فيهلك الظان ، وينفر الناس عنهم . [ ص: 30 ] (قالوا : نعم . ثم أقبل على العباس وعلي) رضي الله عنهما ، فقال : أنشدكما بالذي بإذنه تقوم السماء والأرض ! أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم قال : "لا نورث . ما تركنا صدقة؟ " قالا : نعم . قال عمر: إن الله تعالى كان خص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخاصة ، لم يخص بها أحدا غيره ; قال :

"ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول " [ ما أدري ، هل قرأ الآية التي قبلها أم لا؟]) .

ذكر عياض في معنى هذا : احتمالين ;

أحدهما : تحليل الغنيمة له ولأمته .

والثاني : تخصيصه بالفيء ، إما كله أو بعضه . قال : وهذا الثاني أظهر ، لاستشهاد عمر على هذا بالآية (قال : فقسم رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم بينكم أموال بني النضير . فوالله ! ما استأثر عليكم ، ولا أخذها دونكم ، حتى بقي هذا المال . فكان رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم يأخذ منه نفقة سنة ، ثم يجعل ما بقي [ ص: 31 ] أسوة المال . ثم قال : أنشدكم بالله ، الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ! أتعلمون ذلك ؟ قالوا نعم . ثم نشد عباسا، وعليا مثل ما نشد به القوم : أتعلمان ذلك ؟ قالا : نعم . قال : فلما توفي رسول الله صلى الله عليه) وآله وسلم ، قال أبو بكر رضي الله عنه : (أنا ولي رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم . فجئتما ، تطلب ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها) .

فيه : إشكال مع إعلام أبي بكر لهم قبل هذا الحديث ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : "لا نورث" .

وجوابه : أن كل واحد إنما طلب القيام وحده على ذلك . ويحتج هذا بقربه بالعمومة . وذلك بقرب امرأته بالبنوة . وليس المراد : أنهما طلبا ما علما منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنعهما منه أبو بكر وبين لهما دليل المنع . واعترفا له بذلك .

قال النووي : قال العلماء : وفي هذا الحديث : أنه ينبغي أن يولى أمر كل قبيلة سيدهم ، ويفوض إليه مصلحتهم ، لأنه أعرف بهم ، وأرفق بهم ، وأبعد من أن يأنفوا من الانقياد له . ولهذا قال الله تعالى : فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها .

وفيه : جواز نداء الرجل باسمه ، من غير كنية .

وفيه : جواز احتجاب المتولي في وقت الحاجة ، لطعامه أو وضوئه أو نحو ذلك .

[ ص: 32 ] وفيه : جواز قبول خبر الواحد .

وفيه : استشهاد الإمام " على ما يقوله بحضرة الخصمين " : العدول ، لتقوى حجته في إقامة الحق وقمع الخصم . والله أعلم .

(فقال أبو بكر : قال رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم : " ما نورث. ما تركنا صدقة "، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا . والله يعلم إنه لصادق بار راشد ، تابع للحق . ثم توفي أبو بكر . وأنا ولي رسول الله صلى الله عليه) وآله وسلم ، وولي أبي بكر . فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا . والله يعلم إني لصادق بار راشد ، تابع للحق . فوليتها . ثم جئتني أنت وهذا ، وأنتما جميع ، وأمركما واحد. فقلتم: ادفعها إلينا . فقلت : إن شئتم دفعتها إليكم ، على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها ، بالذي كان يعمل رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم . فأخذتماها بذلك . قال : أكذلك ؟ قالا : نعم . قال : ثم جئتماني لأقضي بينكما . ولا ، والله ! لا أقضي بينكما بغير ذلك ; حتى تقوم الساعة . فإن عجزتما عنها ، فرداها إلي) .

قال المازري : تأويل هذا على نحو ما سبق . وهو أن المراد : أنكما تعتقدان أن الواجب أن نفعل في هذه القضية ، خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر . فنحن على مقتضى رأيكما ، لو أتينا ما أتينا ونحن معتقدان ما [ ص: 33 ] لا تعتقدانه . لكنا بهذه الأوصاف. أو يكون معناه : أن الإمام إنما يخالف إذا كان على هذه الأوصاف ، ويتهم في قضاياه . فكان مخالفتكما لنا تشعر من رآها : أنكم تعتقدان ذلك فينا . والله أعلم .

قال : وأما الاعتذار عن علي والعباس "رضي الله عنهما" ، في أنهما ترددا إلى الخليفتين (مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم : "لا نورث ما تركناه فهو صدقة " ، وتقرير عمر رضي الله عنه " : أنهما يعلمان ذلك) : فأمثل ما فيه : ما قاله بعض العلماء : أنهما طلبا أن يقسماها بينهما نصفين ، ينفقان بها على حسب ما ينفعهما الإمام بها ، لو وليها بنفسه . فكره عمر أن يوقع عليها اسم القسمة ، لئلا يظن لذلك - مع تطاول الأزمان - به أنها ميراث ، وأنهما ورثاه . لاسيما وقسمة الميراث بين البنت والعم نصفان . فيلتبس ذلك ، ويظن أنهم تملكوا ذلك . ومما يؤيد ما قلناه : ما قاله أبو داود : أنه لما صارت الخلافة إلى علي " رضي الله عنه " ، لم يغيرها عن كونها صدقة . وبنحو هذا احتج السفاح ; فإنه لما خطب أول خطبة قام بها ، قام إليه رجل معلق في عنقه المصحف ، فقال : أنشدك الله ! إلا ما حكمت بيني وبين خصمي بهذا المصحف . فقال : من هو خصمك ؟ قال : أبو بكر في منعه " فدك " . قال : أظلمك ؟ قال : نعم . قال : فمن بعده ؟ قال عمر . قال : أظلمك ؟ [ ص: 34 ] قال : نعم . وقال في عثمان كذلك . قال : فعلي ظلمك ؟ فسكت الرجل .

فأغلظ له السفاح.

قال عياض : وقد تأول قوم " طلب فاطمة " رضي الله عنها : ميراثها من أبيها ، على أنها تأولت الحديث - إن كان بلغها قوله صلى الله عليه وآله وسلم "لا نورث " - : على الأموال التي لها بال . فهي التي لا تورث، لا ما يتركون من طعام وأثاث وسلاح . وهذا التأويل خلاف ما ذهب إليه أبو بكر وعمر ، وسائر الصحابة .

وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما تركت بعد نفقة نسائي ، ومؤونة عاملي " : فليس معناه : إرثهن منه . بل لكونهن محبوسات عن الأزواج بسببه . أو لعظم حقهن في بيت المال لفضلهن ، وقدم هجرتهن ، وكونهن أمهات المؤمنين . وكذلك ، اختصصن بمساكنهن لم يرثها ورثتهن .

قال عياض : وفي ترك " فاطمة " منازعة أبي بكر - بعد احتجاجه عليها بالحديث : التسليم للإجماع على قضية . وأنها لما بلغها الحديث ; وبين لها التأويل : تركت رأيها . ثم لم يكن منها ، ولا من ذريتها بعد ذلك : طلب ميراث . ثم ولي علي الخلافة ، فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر " رضي الله عنهما " . فدل على أن طلب علي وعباس ، إنما [ ص: 35 ] كان طلب تولي القيام بها بأنفسهما ، وقسمتها بينهما كما سبق . قال: وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر ، فمعناه : انقباضها عن لقائه . وليس هذا من الهجران المحرم ، الذي هو ترك السلام والكلام ، والإعراض عند اللقاء . انتهى . هذا آخر كلام النووي ، على هذا الحديث.

وقد جمع السيد العلامة " محمد بن إسماعيل الأمير " في هذا الباب : رسالة مستقلة سماها : " رفع الالتباس ، عن تنازع الأمير والعباس " . وهي عندي بخطه " رحمه الله تعالى ". قال فيها : إن حديث " مالك بن أوس بن الحدثان " في قصة تنازعهما في وصية رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وإتيانهما إلى عمر بن الخطاب " رضي الله عنه "، ليحكم بينهما فيما تنازعا فيه . وهو حديث أخرجه الشيخان ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي . وفي رواياتهم اختلاف في ألفاظه . وقد استوفاها ابن الأثير في "جامع الأصول " : قد أوردت عليه إشكالات، في هامش جامع الأصول . ثم ذكرها . وتعقب عليها ، وعلى تأويلات الحافظ ابن حجر في الفتح ، وعلى كلام الجلال . وقال : لا يستنكر ما وقع بين هؤلاء الأعيان من الخصام والترافع . فإن هذه المطالب الدنيوية لا تدخل بين اثنين ، ولا تكون مطلبا لأحد : إلا غيرت الآداب ، وأثارت من الوحشة بينهما ، وفتحت للشجار كل باب . قال تعالى : [ ص: 36 ] إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم فإنه لم يأت إخراج "الأضغان" وهي الأحقاد ، إلا عند فرض الله إياهم الأموال . والفرض أن السائل هو رب العالمين . وقال تعالى : وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض سواء كان من كلام الله ، أو من كلام داود وأقره الله ، واستثنى الذين آمنوا . وناهيك بما وقع معه صلى الله عليه وآله وسلم ، من العناد ، كقولهم : " اتق الله واعدل " . وقولهم : "هذه قسمة ما أريد بها وجه الله " . وقول القائل : " إنكم يا بني عبد المطلب ! قوم مطل " . وقول القائل : " أن كان ابن عمتك ؟". وقول الأنصار : "تعطي قريشا وسيوفنا تقطر من دمائهم ؟". واحتاج صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يترضاهم . وهل أعقب الله " ثعلبة بن حاطب " نفاقا في قلبه إلى يوم يلقاه ، إلا بمنعه الواجب من الزكاة ؟ وهل قال صلى الله عليه وآله وسلم للساعي الذي قال : هذا أهدي لي : " هلا قعد في بيت أمه " ، وهل قال : " إن الشملة التي عليه تشتعل عليه نارا " : إلا في الغال .

وبالجملة ; فغالب الفتن بين العباد ، لا تنشأ إلا من المطالب الدنيوية . وهل نصبوا الحكام إلا لفصل الخصومات بين العباد ؟ ولا تجدها دائما إلا في المطالب الدنيوية . ولا يستنكر الإنسان ما يقع بين [ ص: 37 ] أفاضل العباد من ذلك . فكان ذلك جبلة بشرية ، لا يكاد يخلو منها أحد من البرية . انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث