الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في أنه ليس في القرآن لفظة زائدة لا تفيد معنى

وأما قوله سبحانه وتعالى : هو الله الخالق البارئ المصور [الحشر :24] ، فليس بتكرار ، بل هي معان متغايرة بينهما قدر مشترك ، وبيانه أن الإيجاد يتعلق بالمادة وبالصورة وبمجموعهما ، فإن تعلق بالمادة فهو برؤه ، ولا يقال للمصور : إنه بارئ باعتبار تصويره ، وإنما البارئ من برأ الشيء من العدم إلى الوجود ، وإن تعلق بالصورة فهو تصوير ، ويقال [ ص: 350 ] لفاعله : المصور ، والخالق ينظمهما معا ، فالبارئ للمادة ، والمصور للصور ، والخالق لهما جميعا ، فأين التكرار ؟

وأما قوله سبحانه وتعالى : وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين [النحل :51] ، فليس للتكرار والتأكيد المحض ، وليس الموضع موضع تأكيد ، بل لما كان النهي واقعا على التعديد والاثنينية دون الواحد أتى بلفظ الاثنين .

لأن قولك : لا تتخذ ثوبين ، يحتمل النهي عنهما جميعا ، ويحتمل النهي عن الاقتصار عليهما . فإذا قلت : ثوبين اثنين ، علم المخاطب أنك نهيته عن التعدد والاثنينية دون الواحد ، وأنك إنما أردت منه الاقتصار على ثوب واحد .

فتوجه النهي إلى نفس التعدد والعدد ، فأتى باللفظ الموضوع له الدال عليه ، فكأنه قال : لا تعدد الآلهة ولا تتخذ عددا تعبد ، إنما هو إله واحد فلا تضم إليه غيره وتجعلهما اثنين ، فلا تكرار إذن .

وفيه معنى آخر ، وهو أن تكون «اتخذ » هذه هي التي تتعدى إلى مفعولين ، ويكون اثنين مفعولها الأول ، وإلهين مفعولها الثاني ، وأصل الكلام : لا تتخذوا [اثنين] إلهين ، ثم قدم المفعول الثاني على الأول ، ويدل على التقديم والتأخير أن إلهين أخص من اثنين ، واتخاذ اثنين يقع على ما يجوز وما لا يجوز ، وأما اتخاذ اثنين إلهين فلا يقع إلا على ما لا يجوز ، وقدم إلهين على اثنين إذ المقصود بالنهي اتخاذهما إلهين ، [ ص: 351 ] فالنهي وقع على نفس الإلهية المتخذة ، وعلى هذا فلا بد من ذكر الاثنين والإلهين إذ هما مفعولا الاتخاذ ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

وأما قوله سبحانه وتعالى : وإن الله لهو العزيز الحكيم [آل عمران :62] ، و إنك لأنت الحليم الرشيد [هود :87] ، فهذه فائدة ظاهرة ، وله فائدتان لفظية ومعنوية :

أما اللفظية : فصيانة الخبر عن التباسه بالتابع الصفة وعطف البيان ، هذا عند جمهور النحاة ، ونازعهم في ذلك بعض المتأخرين .

وأما المعنوية : فهي إفادة انحصار الخبر في المبتدأ ، فإذا قلت : زيد هو القائم ، كان في قولك : هو القائم ، وحده لا غيره ؛ ولهذا يقع في جواب من يقول : زيد وعمرو فاضلان ، فتقول : زيد هو الفاضل .

وتأمل قول قوم شعيب له عليه الصلاة والسلام : إنك لأنت الحليم الرشيد ، تجده مفهما إنك لأنت الحليم الرشيد وحدك دوننا ، ولسنا نحن بحلماء ولا راشدين .

وكذا قوله تعالى : وإن الله لهو العزيز الحكيم ، وقوله تعالى : وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [المائدة :118] .

وفيه فائدة ثالثة : وهي تحقيق نسبة الخبر إلى ذلك المبتدأ بعينه ، كقول إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام له لما عرفهم نفسه : أإنك لأنت يوسف حقا ؟ فذاك الذي فعلنا به ما فعلنا أنت هو يقينا ؟ قال أنا [ ص: 352 ] يوسف [يوسف :90] .

ونظير هذا : إنك أنت فلان ؟ فيقول : نعم أنا فلان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث