الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل

فصل

* وأما نبات الشعر على أجسادهم، فهذا كذب ومحال.

وليس لأولياء الله وعباده الصالحين زي مخصوص يتميزون به على غيرهم في الظاهر، لا حلق رأس، ولا لبس صوف أو شعر، ولا اعتزال في المنزل دائما، ولا ترك مخالطة الناس دائما، ولا غير ذلك من الأمور التي هي غير مستحبة في الشريعة.

بل ولا من خصائصهم أو لوازمهم لزوم شيء معين مستحب في الشريعة، ولا الزهد في فضول المباح، ولا صوم الاثنين والخميس، ولا صلاة الضحى، ولا التسوك، ولا غير ذلك.

بل أولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، من جميع أصناف الناس، وتقوى كل شخص بحسب ما أمره الله تعالى به ونهاه.

فولاة الأمور تقواهم في العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، [ ص: 50 ] والحكم بالكتاب والسنة، بحسب الإمكان.

وتقوى التاجر أن يكون صدوقا أمينا، مع ما يلزمه من الواجبات في غير تجارة.

فكل من آمن الإيمان الذي أمره الله تعالى به، واتقى الله التقوى التي أمره الله تعالى بها، فهو من أولياء الله تعالى، سواء كان من العلماء، أو الأجناد، أو الزهاد، أو التجار، أو الصناع.

فإن الله لما ذكر القراء في القرآن، الذين هم أهل الدين والعبادة، قال تعالى: علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله [المزمل: 20].

ومعنى قول من قال: «إن لم يكن العلماء العاملون أولياء الله فما لله تعالى ولي»، أي: أنهم من أولياء الله، أو من خير أولياء الله، أو من كبار أولياء الله. لا أن يكون أولياء الله مخصوصين بهم، كما ليسوا مخصوصين بغيرهم.

ويكونون في الفقراء والأغنياء، وفي العبيد والملوك، وغيرهم، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين فيهم سادة الأولياء، وعمدة الأصفياء، من المهاجرين والأنصار: [ ص: 51 ]

فيهم تجار، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف ... وغيرهم.

وفيهم من له عقار، مثل سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وأبي أيوب الأنصاري، وسعد بن عبادة ... وغيرهم، رضي الله عنهم أجمعين.

وكان فيهم فقراء، ليس لهم أهل ولا مال، كأهل الصفة في شمالي المسجد; فإن تلك الصفة كان يأوي إليها من المسلمين من لم يكن له أهل ولا مال، وكان يجتمع بها منهم تارة قليل، وتارة كثير نحو سبعين، ويقيم الرجل مدة ثم ينتقل عنها، لم يكونوا ملازمين لها إلا بقدر حاجاتهم. وقد قيل: إن جملة من أوى إليها نحو أربع مئة.

وأجل من ذكر فيها: سعد بن أبي وقاص أحد أهل الشورى والعشرة.

ولم يكن في أهل الصفة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس والإلحاف [ ص: 52 ] بالكدية والشحاذة -لا بالزنبيل ولا غيره- صناعته وحرفته، بحيث لا يبتغي الرزق إلا بذلك.

وكانوا -أهل الصفة- يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو أحب إلى الله من الاكتساب.

ولم يكن أهل الصفة كلهم من فضلاء الصحابة، بل أكثر فضلاء الصحابة رضي الله عنهم من غيرهم.

وقد أثنى الله على أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان.

وأهل بدر كانوا ثلاث مئة وبضعة عشر، وهم الذين قال الله فيهم: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

وأهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة بالحديبية كانوا أكثر من ألف وأربع مئة، وأقل من ألف وخمس مئة، وهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: [ ص: 53 ]

«لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة».

وفيهم من أهل الصفة، وغالبهم لم يكونوا من أهل الصفة; إذ الفضل عند الله ورسوله بالإيمان والتقوى، لا بصنف معين من الأصناف المباحة، ولا بزي مخصوص.

لكن غالب الخلق إنما يسلمون من فتنة الفسوق والعصيان إذا لم يبتلوا بكثرة المال وعزة السلطان، كما يقال: «من العصمة أن لا تقدر».

والسلامة من الذنوب في الذين لم يبتلوا أكثر، مع أن الابتلاء بالمال والسلطان إن سلم صاحبها فهو أفضل من هذا الوجه ممن ليس له مثله، وإن ابتلي ببعض الذنوب وله حسنات لا يقدر عليها أولئك فالله تبارك وتعالى يزن حسناتهم وسيئاتهم، فإن فضل له من الحسنات ما يزيد على حسنات [ ص: 54 ] غيره كان أفضل، والله تعالى حكم مقسط لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما [النساء: 40].

فنسأل الله العظيم أن يوفقنا لطاعته من الأقوال والأفعال، والله أعلم.

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث