الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في أكل الضب

3603 باب: في أكل الضب

وقال النووي : (باب إباحة الضب) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 99 ج 13 المطبعة المصرية

[عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن خالد بن الوليد، الذي يقال له: "سيف الله" أخبره، أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ميمونة "زوج النبي صلى الله عليه وسلم"، وهي خالته وخالة ابن عباس. فوجد عندها ضبا محنوذا، قدمت به أختها: حفيدة بنت الحارث، من نجد. فقدمت الضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان قلما يقدم إليه طعام حتى يحدث به، ويسمى له. فأهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يده [ ص: 609 ] إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما قدمتن له. قلن: هو الضب. يا رسول الله! فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده. فقال خالد بن الوليد: أحرام الضب؟ يا رسول الله! قال: "لا. ولكنه لم يكن بأرض قومي. فأجدني أعافه".

قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ينظر، فلم ينهني].
4

التالي السابق


(الشرح)

( عن عبد الله بن عباس ؛ أن خالد بن الوليد) رضي الله عنهم ؛ ( الذي يقال له : " سيف الله " أخبره ؛ أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وآله ( وسلم ، على ميمونة "زوج النبي صلى الله عليه) وآله ( وسلم ، وهي خالته وخالة ابن عباس) . يعني : هي خالتهما . (فوجد عندها ضبا) هو دويبة تشبه " الحرذون " ، ولكنه أكبر منه قليلا . ويقال للأنثى : ضبة . قال ابن خالويه : إنه يعيش سبعمائة سنة . وإنه لا يشرب الماء . ويبول في كل أربعين يوما قطرة . ولا يسقط له سن . ويقال : بل أسنانه قطعة واحدة .

[ ص: 610 ] ( محنوذا) ؛ أي : مشويا . وقيل : المشوي على الرضف . وهي الحجارة المحماة .

وفي رواية : "بضب مشوي" .

( قدمت به أختها : حفيدة بنت الحارث ، من نجد) . فأم خالد : " لبابة الصغرى "، وأم ابن عباس : "لبابة الكبرى " ، وميمونة ، وأم حفيد : كلهن أخوات . والدهن الحارث .

وفي الرواية الأخرى : " أم حفيد " . وفي بعض النسخ : " أم حفيدة " بالهاء . وفي بعضها : " أم حميد " . وفي بعضها : "حميدة " . وكله بضم الحاء : مصغرا .

قال عياض وغيره : والأصوب الأشهر : " أم حفيد " بلا هاء .

واسمها : " هزيلة" . وكذا ذكرها ابن عبد البر وغيره ؛ في الصحابة .

( فقدمت الضب لرسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم . وكان قلما يقدم يديه لطعام ؛ حتى يحدث به، ويسمى له . فأهوى رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم ، يده إلى الضب ، فقالت امرأة من النسوة الحضور :) كذا هو في جميع النسخ . ( أخبرن رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم ، بما قدمتن له . قلن : هو الضب . يا رسول الله ! فرفع رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم ، يده . فقال [ ص: 611 ] خالد بن الوليد : أحرام الضب ؟ يا رسول الله ! قال : "لا . ولكنه لم يكن بأرض قومي . فأجدني أعافه ") . قال ابن العربي : اعترض بعض الناس على هذه اللفظة . وقال : إن الضباب موجودة بأرض الحجاز . فإن كان أراد تكذيب الخبر ؛ فقد كذب هو . فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء. وربما أنها حدثت بعد عصر النبوة . وكذا أنكر ذلك ابن عبد البر ومن تبعه . قال الحافظ : ولا يحتاج إلى شيء من هذا . بل المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " بأرض قومي " : قريش فقط . فيختص النفي بمكة وما حولها . ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز .

ومعنى " أعافه " : أكره أكله . يقال : عفت الشيء أعافه .

( قال خالد : فاجتررته) بجيم وراءين مهملتين . هذا هو المعروف في كتب الحديث . وضبطه بعض شراح المهذب : بزاي قبل الراء . وقد غلطه النووي .

( فأكلته ، ورسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم ، ينظر ؛ فلم ينهني) .

[ ص: 612 ] قال النووي : أكل خالد الضب من غير استئذان ؛ من باب الإدلال ، والأكل من بيت القريب والصديق الذي لا يكره ذلك . وخالد أكل هذا في بيت خالته " ميمونة ". وبيت صديقه " رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " . فلا يحتاج إلى استئذان . لا سيما والمهدية : خالته . ولعله أراد بذلك : جبر قلب خالته " أم حفيد " المهدية . انتهى .

قلت : وفي رواية أخرى : " قال في الضب : لست بآكله ولا محرمه " .

وفي أخرى : "لا آكله ، ولا أحرمه" .

وفي رواية : "قال : كلوا فإنه حلال . ولكنه ليس من طعامي ".

قال النووي : أجمع المسلمون على أن الضب حلال ، ليس بمكروه ؛ إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة : من كراهته . وإلا ما حكاه عياض عن قوم ؛ أنهم قالوا : هو حرام . وما أظنه يصح عن أحد . وإن صح عن أحد ؛ فمحجوج بالنصوص ، وإجماع من قبله . انتهى .

قال الحافظ : قد نقله ابن المنذر ، عن علي رضي الله عنه . فأين يكون الإجماع مع مخالفته ؟ ونقل الترمذي : كراهته عن بعض أهل العلم .

قال الطحاوي " في معاني الآثار " : كره قوم أكل الضب . منهم : أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن . وقد جاء عن [ ص: 613 ] النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " أنه نهى عن أكل الضب " . أخرجه أبو داود . قال " في الفتح " : وإسناده حسن . ولا يغتر بقول الخطابي : ليس إسناده بذاك ، وقول ابن حزم : فيه ضعفاء ومجهولون ، وقول البيهقي : تفرد به إسماعيل بن عياش ؛ وليس بحجة ، وقول ابن الجوزي : لا يصح . ففي كل ذلك : تساهل لا يخفى .

وأخرج أحمد ، وأبو داود ، وصححه ابن حبان والطحاوي ، وسنده على شرط الشيخين ؛ من حديث عبد الرحمن بن حسنة : "نزلنا أرضا كثيرة الضباب ". الحديث . وفيه : أنهم طبخوا منها . " فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إن أمة من بني إسرائيل ؛ مسخت دواب . فأخشى أن تكون هذه . فأكفئوها " .

ومثله : حديث " أبي سعيد "، الذي سيأتي في المتن .

قال في الفتح : والأحاديث ، وإن دلت على الحل : تصريحا ، وتلويحا ، وتقريرا ؛ فالجمع بينها وبين الحديث المذكور : حمل النهي فيه : على أول الحال ؛ عند تجويز أن يكون مما مسخ . وحينئذ أمر بإكفاء القدور . ثم توقف ؛ فلم يأمر به ولم ينه عنه .

[ ص: 614 ] وحمل الإذن فيه : على ثاني الحال ؛ لما علم أن الممسوخ لا نسل له. وبعد ذلك كان يستقذره ، فلا يأكله ولا يحرمه . وأكل على مائدته بإذنه ، فدل على الإباحة . وتكون الكراهة للتنزيه ؛ في حق من يتقذره . وتحمل أحاديث الإباحة : على من لا يتقذره .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث