الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب أكل دواب البحر وما ألقى

3576 باب : أكل دواب البحر ، وما ألقى

وقال النووي : (باب إباحة ميتات البحر) . [ ص: 618 ] حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 84- 87 ج 13 المطبعة المصرية

[عن أبي الزبير، عن جابر، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر علينا أبا عبيدة، نتلقى عيرا لقريش. وزودنا جرابا من تمر، لم يجد لنا غيره . فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. قال: فقلت كيف كنتم تصنعون بها؟ قال نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل. وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله. قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر: كهيئة الكثيب الضخم. فأتيناه، فإذا هي دابة تدعى "العنبر". قال: قال أبو عبيدة: ميتة. ثم قال: لا. بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله. وقد اضطررتم فكلوا . قال: فأقمنا عليه شهرا، ونحن ثلاثمائة، حتى سمنا. قال ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال: الدهن. ونقتطع منه الفدر كالثور "أو كقدر الثور". فلقد أخذ منا أبو عبيدة: ثلاثة عشر رجلا، فأقعدهم في وقب عينه. وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا، فمر من تحتها. وتزودنا من لحمه وشائق. فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرنا ذلك له. فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم. فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟" قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، منه فأكله ] .

[ ص: 619 ]

التالي السابق


[ ص: 619 ] (الشرح)

( عن جابر) رضي الله عنه ؛ ( قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم ، وأمر علينا أبا عبيدة) . فيه : أن الجيوش ، لا بد لها من أمير يضبطها ، وينقادون لأمره ونهيه . وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم ، أو من أفضلهم . قالوا : ويستحب للرفقة من الناس ؛ وإن قلوا : أن يؤمروا بعضهم عليهم ، وينقادوا له .

(نتلقى عيرا لقريش) . " العير " : هي الإبل ، التي تحمل الطعام وغيره .

وفيه : جواز صد أهل الحرب واغتيالهم ، والخروج لأخذ مالهم واغتنامه .

( وزودنا جرابا من تمر) . " الجراب ": بكسر الجيم وفتحها ، والكسر أفصح . ( لم يجد لنا غيره . فكان أبو عبيدة يعطينا : تمرة تمرة) .

وفي رواية من هذا الحديث : "ونحن نحمل أزوادنا على رقابنا" .

وفي رواية : " ففني زادهم ، فجمع أبو عبيدة زادهم في مزود ، فكان يقوتنا حتى كان يصيبنا كل يوم تمرة " .

[ ص: 620 ] وفي الموطأ : " ففني زادهم ، وكان مزودي تمر . وكان يقوتنا كل يوم تمرة ".

وفي أخرى لمسلم : " كان يعطينا قبض قبضة . ثم أعطانا تمرة تمرة".

.

قال عياض : الجمع بين هذه الروايات : أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم : زودهم المزود ، زائدا على ما كان معهم من الزاد من أموالهم وغيرها ، مما واساهم به الصحابة . ولهذا قال : ونحن نحمل أزوادنا . قال : ويحتمل أنه لم يكن في زادهم تمر ؛ غير هذا الجراب . وكان معهم غيره من الزاد . وأما إعطاء أبي عبيدة إياهم تمرة تمرة ؛ فإنما كان في الحال الثاني ، بعد أن فني زادهم ، وطال لبثهم . كما فسره في الرواية الأخيرة . فالرواية الأولى ، معناها : الإخبار عن آخر الأمر لا عن أوله . والظاهر : أن قوله : "تمرة تمرة " ؛ إنما كان بعد أن قسم عليهم " قبضة قبضة " . فلما قل تمرهم : قسمه عليهم " تمرة تمرة " ، ثم فرغ وفقدوا [ ص: 621 ] التمرة ، ووجدوا ألما لفقدها ، وأكلوا الخبط ، إلى أن فتح الله عليهم بالعنبر . والله أعلم .

( قال : فقلت : كيف كنتم تصنعون بها ؟ قال : نمصها كما يمص الصبي) . نمصها بفتح الميم وضمها . والفتح أفصح وأشهر . وفي هذا ؛ بيان ما كان الصحابة رضي الله عنهم عليه من الزهد في الدنيا ، والتقلل منها ، والصبر على الجوع وخشونة العيش ، وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال .

(ثم نشرب عليها من الماء ؛ فتكفينا يومنا إلى الليل . وكنا نضرب بعصينا الخبط ، ثم نبله بالماء فنأكله) .

" الخبط " بالتحريك : هو ما يسقط من الورق ، عند خبط الشجر .

( قال : وانطلقنا على ساحل البحر ، فرفع لنا على ساحل البحر : كهيئة الكثيب الضخم) . هو بالثاء المثلثة . وهو الرمل المستطيل المحدودب .

( فأتيناه ، فإذا هي دابة تدعى العنبر . قال : قال أبو عبيدة : ميتة . ثم قال : لا ، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم ، وفي سبيل الله . وقد اضطررتم فكلوا) .

[ ص: 622 ] معناه : أن "أبا عبيدة " قال أولا باجتهاد : إن هذا ميتة . والميتة حرام ، فلا يحل لهم أكلها . ثم تغير اجتهاده ، فقال : بل هو حلال لكم ، وإن كان ميتة ؛ لأنكم في سبيل الله ، وقد اضطررتم . وقد أباح الله الميتة لمن كان مضطرا غير باغ ولا عاد ، فكلوا . فأكلوا منه . وفيه : جواز الاجتهاد في الأحكام ؛ في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كما يجوز بعده .

( قال : فأقمنا عليه شهرا ، ونحن ثلاثمائة ، حتى سمنا) . وفي الرواية الثانية : " فأكلنا منها نصف شهر".

وفي الثالثة : "فأكل منها الجيش ثماني عشرة ليلة" .

قال النووي : طريق الجمع بين الروايات : أن من روى شهرا هو الأصل . ومعه زيادة علم . ومن روى دونه : لم ينف الزيادة . ولو نفاها ؛ قدم المثبت .

والمشهور الصحيح عند الأصوليين : أن مفهوم العدد لا حكم له .

[ ص: 623 ] فلا يلزم منه نفي الزيادة لو لم يعارضه إثبات الزيادة . كيف وقد عارضه ؟ فوجب قبول الزيادة . وجمع عياض بينهما : بأن من قال : "نصف شهر " : أراد أكلوا منه تلك المدة طريا . ومن قال : " شهرا " : أراد أنهم قددوه ، فأكلوا منه بقية الشهر قديدا . والله أعلم .

( قال : ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال : الدهن . ونقتطع منه الفدر كالثور ، أو كقدر الثور) .

" الوقب " بفتح الواو وإسكان القاف ، وبالموحدة : وهو داخل عينه ونقرتها .

" والقلال" ، بكسر القاف : جمع "قلة " بضمها . وهي "الجرة الكبيرة " التي يقلها الرجل بين يديه . أي : يحملها .

" والفدر" بكسر الفاء ، وفتح الدال : هي "القطع " .

وروينا قوله : " كقدر الثور " بوجهين مشهورين ؛

أحدهما : بقاف مفتوحة ثم دال ساكنة . أي : مثل الثور .

والثاني : "كفدر " بفاء مكسورة ، ثم دال مفتوحة : جمع " فدرة " .

قال النووي : والأول أصح . وادعى عياض أنه تصحيف ، وأن الثاني هو الصواب . وليس كما قال .

[ ص: 624 ] ( فلقد أخذ منا أبو عبيدة : ثلاثة عشر رجلا ، فأقعدهم في وقب عينه . وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ، ثم رحل أعظم بعير معنا) . "رحل " بفتح الحاء . أي : جعل عليه رحلا ( فمر من تحتها . وتزودنا من لحمه وشائق) . بالشين والقاف . قال أبو عبيد : هو اللحم يؤخذ فيغلى إغلاء ، ولا ينضج. ويحمل في الأسفار . يقال : " وشقت اللحم فاتشق " . والوشيقة : الواحدة منه . والجمع : وشائق ووشيق .

وقيل : " الوشيقة " : القديد .

( فلما قدمنا المدينة ، أتينا رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم . فذكرنا ذلك له . فقال : " هو رزق أخرجه الله لكم . فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ؟) قال : فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم منه ، فأكله) . أراد به : المبالغة في تطييب نفوسهم في حله ، وأنه لا شك في إباحته ، وأنه يرتضيه لنفسه . أو أنه قصد التبرك به ؛ لكونه "طعمة " من الله تعالى ، خارقة للعادة ، أكرمهم الله بها .

وفي هذا : دليل على أنه لا بأس بسؤال الإنسان ، من مال صاحبه ومتاعه ؛ إدلالا عليه . وليس هو من السؤال المنهي عنه . إنما ذاك في حق الأجانب للتمول ونحوه . وأما هذا ، فللمؤانسة والملاطفة والإدلال .

[ ص: 625 ] قال: وفي الحديث : أنه يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات ، التي يشك فيها المستفتي ؛ إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي ، وكان فيه طمأنينة للمستفتي .

قال : وفيه إباحة ميتات البحر كلها سواء في ذلك : ما مات بنفسه ، أو باصطياد . وقد أجمع المسلمون على إباحة السمك .

قالت الشافعية : يحرم الضفدع ، للحديث في النهي عن قتلها . قالوا : وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه ؛ أصحها : يحل جميعه . لهذا الحديث .

وممن قال بإباحة جميع حيوانات البحر ؛ إلا الضفدع : أبو بكر الصديق ، وعمر، وعثمان ، وابن عباس . وأباح مالك : الضفدع ، والجميع . وقال أبو حنيفة : لا يحل غير السمك .

وأما " السمك الطافي "، وهو الذي يموت في البحر بلا سبب . فمذهب الشافعي : إباحته . وبه قال جماهير العلماء من الصحابة ، فمن بعدهم . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يحل .

ودليل الجمهور : قوله تعالى : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) . [ ص: 626 ] قالوا : "صيده " : ما صدتموه . " وطعامه " : ما قذفه . وحديث جابر هذا، وحديث : " هو الطهور ماؤه ، والحل ميتته" . وهو حديث صحيح . إلى غير ذلك من الأدلة .

وأما حديث جابر بلفظ : "وما مات فيه فطفا ؛ فلا تأكلوه" : فضعيف باتفاق أئمة الحديث . قال النووي : لا يجوز الاحتجاج به ؛ لو لم يعارضه شيء . كيف وهو معارض بما ذكرنا ؟ وقد أوضحت ضعف رجاله في "شرح المهذب " ، في " باب الأطعمة " . فإن قيل : لا حجة في حديث " العنبر " ؛ لأنهم كانوا مضطرين . قلنا : الاحتجاج بأكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه في المدينة ؛ من غير ضرورة.

قال في النيل : قوله : " فأكله " . بهذا تتم الدلالة . وإلا فمجرد أكل الصحابة منه وهم في حال المجاعة ؛ قد يقال : إنه للاضطرار . ولا سيما وقد قال أبو عبيدة : " وقد اضطررتم فكلوا " . قال الحافظ : والقياس يقتضي حله . لأنه لو مات في البر لأكل بغير تذكية . ولو نضب عنه [ ص: 627 ] فمات ؛ لأكل . فكذلك إذا مات وهو في البحر . قال : ولا خلاف بين العلماء في حل السمك على اختلاف أنواعه . وإنما اختلفوا فيما كان على صورة حيوان البر : كالآدمي ، والكلب ، والخنزير ؛ فعند الحنفية : أنه يحرم . والأصح عن الشافعية : أنه يحل مطلقا . وهو قول المالكية ؛ إلا الخنزير في رواية .

قال في النيل : ومن المستثنى : التمساح ، والقرش ، والثعبان ، والعقرب ، والسرطان ، والسلحفاة ؛ للاستخباث والضرر اللاحق من السم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث