الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 577 ] كتاب النفقات يلزم الزوج نفقة زوجته وكسوتها وسكناها بما يصلح لمثلها بالمعروف ، ويعتبر ذلك الحاكم عند التنازع بحالهما ، فيفرض لموسرة مع موسر كفايتها خبزا خاصا بأدمه المعتاد لمثلها ، ولو تبرمت بأدم نقلها إلى أدم غيره ، وظاهر كلامهم أنه يفرض لحما عادة الموسرين بذلك الموضع ، وذكره في الرعاية قولا ، وأنه أظهر ، وقدم كل جمعة مرتين ، ويتوجه العادة ، لكن يخالف في إدمانه ، ولعل هذا مرادهم . وما يلبس مثلها من حرير وخز وجيد كتان وقطن ، وأقله قميص وسراويل ووقاية ، وهي ما تضعه فوق المقنعة ، وتسمى الطرحة ، ومقنعة ومداس وجبة للشتاء ، وللنوم فراش ولحاف ومخدة .

وفي التبصرة : وإزار وللجلوس زلي [ ص: 578 ] وهو بساط من صوف ورفيع الحصر ، وفقيرة مع فقير خبز خشكار بأدمه وزيت مصباح ، وذكر جماعة : لا يقطعها اللحم فوق أربعين ، وقدم في الرعاية كل شهر مرة ، وقيل : العادة ، وهو ظاهر كلام الأكثر ، وقيل لأحمد : في كم يأكل الرجل اللحم ؟ قال : في أربعين يوما .

وقال في رواية الميموني : عمر بن الخطاب قال : إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر ، قال إبراهيم الحربي : يعني إذا أكثر منه ، ومنه : كلب ضار ، وما يلبس مثلها وينام فيه ويجلس عليه ، وللمتوسطة مع المتوسط والموسرة مع الفقير وعكسها ما بين ذلك عرفا .

وفي المغني والترغيب : لا يلزمه خف وملحفة ، وعند القاضي : الواجب ليوم رطلا خبز بحسبهما بأدمه دهنا بحسب البلد .

وفي الترغيب عنه : لموسرة مع فقير أقل كفاية والبقية في ذمته ، ولا بد من ماعون الدار ، ويكتفى بخزف وخشب ، والعدل ما يليق بهما ، وقدر الشافعي النفقة بالحب ، فعلى الفقير مد ، وعلى الموسر مدان ، لأنه أكثر واجب في كفارة وهي كفارة الأذى ، وعلى المتوسط نصفهما ، وإن أكلت معه فهل تسقط نفقتها عملا بالعرف أم لا لأنه لم يقم بالواجب ؟ للشافعية وجهان ، واختلفوا في الترجيح ، قالوا : فإن لم يأذن الولي لها لم تسقط ، وجها واحدا . ويلزمه مؤنة نظافتها من دهن [ ص: 579 ] وسدر ومشط وثمن ماء وأجرة قيمة ونحوه . وفي الواضح وجه ، قال في عيون المسائل : لأن ما كان من تنظيف على مكتر ، كرش وكنس وتنقية الآبار ، وما كان من حفظ البنية كبناء حائط وتقيير الجذع على مكر ، فالزوج كمكر ، والزوجة كمكتر ، وإنما يختلفان فيما يحفظ البنية دائما من الطعام ، فإنه يلزم الزوج ، لا دواء وأجرة طبيب وحناء ونحوه وثمن طيب ، وفيه وجه في الواضح ، فإن أراد منها التزين به وفي المغني والترغيب : أو قطع رائحة كريهة لزمه ، ويلزمها ترك حناء وزينة نهي عنها ، ذكره شيخنا ، من مثلها يخدم ولا خادم لها ولو لمرض خلافا للترغيب : فيه لزمه واحد ، نص عليه ، وقيل : وأكثر بقدر حالها ولو بأجرة أو عارية ، وتجوز كتابية ، في الأصح ، إن جاز نظرها ، وتعيينه إليه ، وتعيين خادمها إليهما ونفقته كفقيرين ، مع خف وملحفة ، [ ص: 580 ] والأشهر سوى النظافة ، فإن كان الخادم لها فرضيته فنفقته عليه .

وفي الرعاية : وهذا نفقة المؤجر والمعار ، في وجه ، كذا قال ، وهو ظاهر كلامهم ، ولم أجده صريحا ، وليس بمراد في المؤجر ، فإن نفقته على مالكه ، وأما في المعار ، فمحتمل ، وسبقت المسألة في آخر الإجارة ، وقوله " في وجه " يدل [ على ] أن الأشهر خلافه ، ولهذا جزم به في المعار ، في بابه ، ولا تملك خدمة نفسها لتأخذ نفقته ، وهل يلزمها قبول خدمته لها ليسقطه وقبول كتابية ؟ وجهان ( م 1 و 2 ) ولا تلزمه أجرة من يوضئ مريضة ، بخلاف رقيقة ، ذكره أبو المعالي .

[ ص: 577 ]

التالي السابق


[ ص: 577 ] كتاب النفقة تنبيهان :

( أحدهما ) قوله : وللنوم فراش ولحاف ومخدة ، وفي التبصرة : وإزار ، انتهى . ليس ما في التبصرة مخصوصا به ، بل قد صرح به صاحب الهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة والهادي والبلغة والرعايتين والحاوي الصغير والوجيز وتجريد العناية وغيرهم ، ومرادهم بالإزار إزار النوم ، ولذلك ذكروه عقب ما يجب للنوم ، كالمصنف ، ولهذا قال في الرعاية وغيره بعد ذلك : ولا يجب لها إزار للخروج ، والظاهر أن وجوب الإزار للنوم إذا كانت العادة جارية بالنوم فيه ، كأرض الحجاز ونحوها ، هو المذهب ، وهو ظاهر ما قطع به في المغني والشرح وغيرهما ، والله أعلم [ ص: 579 ]

( الثاني ) قوله : وتعيينه إليه وتعيين خادمها إليهما ، انتهى . يعني أن تعيين الخادم إليه ما لم يكن ملكها ، فيكون تعيينه إليهما ، وقوله بعد ذلك فإن كان لها فرضيته فنفقته إليه ، قال ابن مغلي : ظاهره أن رضاها كاف وإن لم يوافق الزوج [ ص: 580 ] وأخذ هذه العبارة من المغني ، ولكن صرح بعد أنه إن لم يرض بخادمها فله ذلك ، فوقع للمصنف التخليط من وجهين :

( أحدهما ) ذكره ذلك لا على سبيل حكاية خلاف .

( والثاني ) سهوه عن استيفاء النظر في كلام الشيخ ، انتهى .

( قلت ) : الذي يظهر أنه لا نظر في كلام المصنف ولا تخليط ، وإنما ذكر العبارة الثانية لأجل التصريح بوجوب نفقته عليه ، وإن كان لها فكلامه الأول في التعيين ، وكلامه الثاني في وجوب النفقة ، لئلا يتوهم متوهم كونه ملكها أن تكون نفقته عليها ، وقوله : " فرضيته " يعني مع رضا الزوج ، بدليل ما تقدم ، والله أعلم .

( مسألة 1 و 2 ) قوله : وهل يلزمها قبول خدمته لها ليسقطه وقبول كتابية ؟ وجهان ، انتهى . ذكر مسألتين :

( المسألة الأولى 1 ) هل يلزمها قبول خدمته لها ليسقطه عنه أم لا ؟ أطلق [ ص: 581 ] الخلاف ، وأطلقه في البداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب والكافي والمقنع والمحرر والحاوي الصغير وغيرهم .

( أحدهما ) لا يلزمها قبول ذلك ، وهو الصحيح ، جزم به في المنور ، وصححه في النظم ، وقدمه في الخلاصة والمغني والشرح وغيرهم .

( والوجه الثاني ) يلزمها ، صححه في التصحيح ، واختاره ابن عبدوس في تذكرته ، وجزم به في الوجيز ، وقدمه في الرعايتين وتجريد العناية ، واختار في الرعاية : له ذلك فيما يقولاه مثله لن يكفيها خادم واحد .

( المسألة الثانية 2 ) هل يلزمها قبول كتابية أم لا بد أن تكون مسلمة ؟ أطلق الخلاف ، وأطلقه في الرعاية الكبرى :

( أحدهما ) يلزمها ، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب ، وهو الصواب .

( والوجه الثاني ) لا يلزمها ، ولعل الخلاف مبني على جواز النظر وعدمه ، فإن كان كذلك فالصحيح اللزوم ، لأن الصحيح جواز النظر ، ولكن ظاهر كلام أكثر الأصحاب الإطلاق ، ولذلك قال في الرعاية الكبرى بعد أن أطلق الوجهين : وقيل : إن جاز نظرها إلى مسلمة وخلوتها بها لزمها قبولها ، على الأشهر . وإلا فلا ، انتهى . والمصنف قد صحح قبل ذلك جواز خدمة الكتابية ، وكلامه هنا في اللزوم ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث