الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 89 ] قواعد تتعلق بالعطف

القاعدة الأولى

ينقسم باعتبار إلى عطف المفرد على مثله ، وعطف الجمل . فأما عطف المفرد ففائدته تحصيل مشاركة الثاني للأول في الإعراب ليعلم أنه مثل الأول في فاعليته ، أو مفعوليته ، ليتصل الكلام بعضه ببعض ، أو حكم خاص دون غيره ، كما في قوله تعالى : ( وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) ( المائدة : 6 ) فمن قرأ بالنصب عطفا على الوجوه كانت الأرجل مغسولة ، ومن قرأ بالجر عطفا على الرءوس كانت ممسوحة ، لكن خولف ذلك لعارض يرجح ، ولا بد في هذا من ملاحظة المشاكلة بين المتعاطفين ، فتقول : جاءني زيد وعمرو ، لأنهما معرفتان ، ولو قلت : جاء زيد ورجل ، لم يستقم لكون المعطوف نكرة ، نعم ، إن تخصص فقلت : ورجل آخر ، جاز .

ولذا قال صاحب " المستوفى " من النحويين : وأما عطف الجملة فإن كانت الأولى لا محل لها من الإعراب فكما سبق ، لأنها تحل محل المفرد ، نحو : مررت برجل خلقه حسن ، وخلقه قبيح ، وإن كان لا محل لها ، نحو : زيد أخوك ، وعمرو صاحبك ، ففائدة العطف الاشتراك في مقتضى الحرف العاطف ، فإن كان العطف بغير الواو ظهر له فائدة من التعقيب كالفاء ، أو الترتيب كـ ( ثم ) أو نفي الحكم عن الباقي كـ ( لا ) .

وأما الواو فلا تفيد شيئا هنا غير المشاركة في الإعراب .

وقيل : بل تفيد أنهما كالنظيرين والشريكين ، بحيث إذا علم السامع حال الأول عساه أن يعرف حال الثاني ، ومن ثمة صار بعض الأصوليين إلى أن القران في اللفظ يوجب القران في [ ص: 90 ] الحكم . ومن هنا شرط البيانيون التناسب بين الجمل لتظهر الفائدة حتى إنهم منعوا عطف الإنشاء على الخبر وعكسه .

ونقله الصفار في شرح سيبويه عن سيبويه ألا ترى إلى قوله : يقبح عندهم أن يدخلوا الكلام الواجب في موضع المنفي ، فيصيروا قد ضموا إلى الأول ما ليس بمعناه انتهى .

ولهذا منع الناس من الواو في ( بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على سيدنا محمد ) لأن الأولى خبرية ، والثانية طلبية ، وجوزه ابن الطراوة لأنهما يجتمعان في التبرك .

وخالفهم كثير من النحويين كابن خروف ، والصفار ، وابن عمرو ، وقالوا : يعطف الأمر على الخبر ، والنهي على الأمر والخبر ، قال تعالى : ( ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) ( المائدة : 67 ) فعطف خبرا على جملة شرط ، وجملة الشرط على الأمر .

وقال تعالى : ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) ( يونس : 72 ) . ( وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ) ( يونس : 105 ) فعطف نهيا على خبر . ومثله : ( يابني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ) ( هود : 42 ) .

قالوا : وتعطف الجملة على الجملة ، ولا اشتراك بينهما ، كما قال تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) ( آل عمران : 7 ) على قولنا بالوقف على الله وأنه سبحانه اختص به . وقال : ( وأولئك هم الفاسقون ) ( النور : 4 ) فإنه علة تامة بخبرها ، فلا يوجب العطف المشاركة فيما تتم به الجملتان الأوليان ، وهو الشرط الذي تضمنه قوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ) ( النور : 4 ) كقولك : إن دخلت الدار [ ص: 91 ] فأنت طالق ، وفلانة طالق ، لا يتعلق طلاق الثانية بالشرط ، وعلى هذا يختص الاستثناء به ولا يرجع لما تقدمه ، ويبقى المحدود في القذف غير مقبول الشهادة بعد التوبة كما كان قبلها .

ومنه قوله تعالى : ( فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ) ( الشورى : 24 ) فإنه علة تامة معطوفة على ما قبلها ، غير داخل تحت الشرط ، ولو دخلت كان ختم القلب ، ومحو الباطل متعلقين بالشرط ، والمتعلق بالشرط معدوم قبل وجوده ، وقد عدم ختم القلب ، ووجد محو الباطل ، فعلمنا أنه خارج عن الشرط ، وإنما سقطت الواو في الخط ، واللفظ ليس للجزم ، بل سقوطه من اللفظ لالتقاء الساكنين ، وفي الخط اتباعا للفظ كسقوطه في قوله تعالى : ( ويدع الإنسان ) ( الإسراء : 11 ) وقوله : ( سندع الزبانية ) ( العلق : 18 ) ولهذا وقف عليه يعقوب بالواو نظرا للأصل ، وإن وقف عليه غيره بغير واو اتباعا للخط .

والدليل على أنها ابتداء إعادة الاسم في قوله : ( ويمح الله ) ( الشورى : 24 ) ولو كانت معطوفة على ما قبلها لقيل : ويمح الباطل ، ومثله : ( لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء ) ( الحج : 5 ) . وقوله : ( ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء ) ( التوبة : 15 ) . وقوله : ( قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ) ( الأعراف : 26 ) وغير ذلك .

قلت : وكثير من هذا لا يرد عليهم ، فإن كلامهم في الواو العاطفة ، وأما ( ونقر في الأرحام ) وما بعده فهي للاستئناف ، إذ لو كانت للعطف لانتصب " نقر " ، و " لباس " ، وجزم " ويتوب " ، وكذلك الواو في ( والراسخون ) للاستئناف ( ويمح الله ) .

وقال البيانيون : للجملة ثلاثة أحوال :

( فالأول ) : أن يكون ما قبلها بمنزلة الصفة من الموصوف ، والتأكيد من المؤكد ، فلا يدخلها عطف لشدة الامتزاج كقوله تعالى : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ( البقرة : 1 - 2 ) .

[ ص: 92 ] وقوله : ( ختم الله على قلوبهم ) ( البقرة : 7 ) مع قوله : ( لا يؤمنون ) ( البقرة : 6 ) . وكذلك : ( يخادعون الله ) ( البقرة : 9 ) مع قوله : ( وما هم بمؤمنين ) ( البقرة : 8 ) فإن المخادعة ليست شيئا غير قولهم : ( آمنا ) من غير اتصافهم .

وقوله : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ) ( البقرة : 14 ) وذلك لأن معنى قولهم : ( إنا معكم ) أنا لم نؤمن ، وقوله : ( إنما نحن مستهزئون ) خبر لهذا المعنى بعينه . وقوله : ( وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ) ( لقمان : 7 ) .

وقوله : ( ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ) ( يوسف : 31 ) فإن كونه ملكا ينفي كونه بشرا فهي مؤكدة للأولى .

وقوله : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) ( يس : 69 ) . وقوله : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) ( النجم : 3 - 4 ) وقوله : ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) ( الحج : 1 ) فإنها مؤكدة لقوله : ( ياأيها الناس اتقوا ربكم ) . وقوله : ( إن صلاتك سكن لهم ) ( التوبة : 103 ) فإنها بيان للأمر بالصلاة .

وقوله : ( إن المتقين في مقام أمين ) ( الدخان : 51 ) بعد قوله : ( إن هذا ما كنتم به تمترون ) ( الدخان : 50 ) . وقوله : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) ( الكهف : 30 ) إذا جعلت ( إنا لا نضيع ) خبرا ، إذ الخبر لا يعطف على المبتدأ . وقوله : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) ( الأنبياء : 101 ) بعد قوله : ( لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ) ( الأنبياء : 100 ) .

والثانية : أن يغاير ما قبلها ، وليس بينهما نوع ارتباط بوجه ، فلا [ ص: 93 ] عطف أيضا إذ شرط العطف المشاكلة ، وهو مفقود ، وذلك قوله تعالى : ( إن الذين كفروا سواء عليهم ) ( البقرة : 6 ) بعد قوله : ( وأولئك هم المفلحون ) ( البقرة : 5 ) .

فإن قيل : إذا كان حكم هذه الحالة والتي قبلها واحدا أدى إلى الإلباس ، فإنه إذا لم يعطف التبس حالة المطابقة بحالة المغايرة ، وهلا عطفت الحالة الأولى إلحاقا لها بالحالة الثانية ؟ فإن ترك العطف يوهم المطابقة ، والعطف يوهم عدمها ، فلم اختير الأول دون الثاني ، مع أنه لم يخل عن إلباس ؟ قيل : العاطف يوهم الملابسة بوجه قريب أو بعيد ، بخلاف سقوط العاطف ، فإنه وإن أوهم المطابقة إلا أن أمره واضح فبأدنى نظر يعلم ، فزال الإلباس .

( الحال الثالثة ) أن يغاير ما قبلها لكن بينهما نوع ارتباط ، وهذه التي يتوسطها العاطف كقوله : ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) ( البقرة : 5 ) . وقوله : ( أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ( الرعد : 5 ) .

فإن قلت : لم سقط العطف من ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) ( الأعراف : 179 ) ولم يسقط من ( وأولئك هم المفلحون ) ؟ . قلت : لأن الغفلة شأن الأنعام ، فالجملة الثانية كأنها هي الجملة الأولى .

( فإن قلت ) : لم سقط في قوله : ( الله يستهزئ بهم ) ( البقرة : 15 ) ؟ . قلت : لأن الثانية كالمسئول عنها ، فنزل تقدير السؤال منزلة صريحه .

( الحال الرابعة ) أن يكون بتقدير الاستئناف كأن قائلا قال : لم كان كذا ؟ فقيل : كذا ، فها هنا لا عطف أيضا كقوله تعالى : ( وجاءوا أباهم عشاء يبكون قالوا ياأبانا ) ( يوسف : 16 - 17 ) .

وقوله : ( وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا ) ( الأعراف : 113 ) التقدير : فما قالوا أو فعلوا ؟ فأجيب هذا التقدير بقوله : قالوا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث