الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


احتمال الفعل للجزم والنصب .

فمنه قوله تعالى : ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) ( الأعراف : 19 ) يحتمل أن يكون ما بعد الفاء مجزوما ، ويحتمل أن يكون منصوبا ، وإذا كان مجزوما كان داخلا في النهي ، فيكون قد نهى عن الظلم ، كما نهى عن قربان الشجرة ، فكأنه قال : " لا تقربا هذه الشجرة فلا تكونا من الظالمين " .

ومنه قوله تعالى : ( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق ) ( البقرة : 42 ) فإنه يحتمل أن يكون " تكتموا " مجزوما ، فهو مشترك مع الأول في حرف النهي ، والتقدير : لا تلبسوا ولا تكتموا ، أي لا تفعلوا هذا ولا هذا ، كما في قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، بالجزم . أي لا تفعل واحدا من هذين ، ويحتمل أن يكون منصوبا ، والتقدير : لا [ ص: 129 ] تجمعوا بين هذين ويكون مثل " لا تأكل السمك وتشرب اللبن " ، والمعنى : لا تجمعوا بين هذين الفعلين القبيحين ، كما تقول لمن لقيته : أما كفاك أحدهما حتى جمعت بينهما ! وليس في هذا إباحة أحدهما والأول أظهر .

وقوله : ( ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ) ( البقرة : 236 ) أي ما لم يكن أحد الأمرين ، المس أو الغرض المستلزم ، لعدم كل منهما ، أي لا هذا ولا هذا ، فإن وجد أحدهما فعليكم الجناح ، وهو المهر أو نصف المفروض ، و " تفرضوا " مجزوم عطفا على " تمسوهن " . وقيل : نصب ، و " أو " بمعنى " إلا أن " .

والصحيح الأول ، ولا يجوز تقدير " لم " بعد " أو " لفساد المعنى ، إذ يؤول إلى رفع الجناح عند عدم المس مع الفرض وعدمه ، وعند عدم الفرض مع المس وعدمه ، وليس كذلك ، ولا يقدر فيما انتفى أحدهما ، للزوم نفي الجناح عند نفي أحدهما ووجود الآخر ، فلا بد من المحافظة على أحدهما على الإبهام وانسحاب حكم " لم " عليه .

ونظيره ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) ( الإنسان : 24 ) . وقوله : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ) ( البقرة : 188 ) . وقوله تعالى : ( إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ) ( آل عمران : 149 ) والوجه الجزم ، ويجوز النصب . وقوله تعالى : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) ( البقرة : 284 ) الآية . وقوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ) ( النساء : 19 ) وقوله : ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) ( النساء : 97 ) .

وقوله : ( فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ) ( النساء : 129 ) . وقوله في آل عمران : [ ص: 130 ] ( يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ) ( الآية : 149 ) .

وقوله في الأعراف : ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) ( الآية : 19 ) .

وقوله في الأنفال : ( ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) ( الآية : 27 ) .

وقوله في سورة التوبة : ( وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا ) ( الآية : 50 ) . وقوله : ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) ( التوبة : 120 ) . وقوله في سورة يونس : ( فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) ( الآية : 88 ) يجوز أن يكون معطوفا على : ( ليضلوا عن سبيلك ) ( يونس : 88 ) فيكون منصوبا ، ويجوز أن يكون منصوبا بالفاء على جواب الدعاء ، وأن يكون مجزوما لأنه دعاء .

وقوله في سورة يوسف : ( اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده ) ( الآية : 9 ) . وقوله : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) ( غافر : 82 ) . وقوله في سورة هود : ( ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله ) ( الآية : 1 - 2 ) أي " بأن لا تعبدوا إلا الله " ، فيكون منصوبا ، ويجوز جزمه لأنه نهي .

وقوله : في سورة النحل : ( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم ) ( الآية : 94 ) يجوز عطف " وتذوقوا " على تتخذوا أو " فتزل " قبل دخول الفاء ، فيكون مجزوما .

وقوله في سورة الإسراء : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) ( الآية : 23 ) أي بألا تعبدوا أو على نهي . وفيها : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) ( الإسراء : 33 ) . وقوله في سورة الكهف : ( إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم ) ( الآية : 20 ) . وقوله في الحج : ( ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله ) ( الآية : 28 ) يجوز أن يكون لام كي أو لام الأمر ، وفائدة هذا تظهر في جواز الوقف . وقوله : ( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ) [ ص: 131 ] ( الحج : 29 ) فيمن كسر اللامات ، وقوله في النمل : ( ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ) ( الآية : 31 ) أي بإن ، أو نهي . وقوله في العنكبوت : ( ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون ) ( الآية : 66 ) . هل هي لام كي أو لام الأمر

وفي فاطر : ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا ) ( الآية : 44 ) . وفي يس : ( ليأكلوا من ثمره ) ( الآية : 35 ) هل هي لام كي ، أو لام الأمر ؟ وفي المؤمن : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ) ( غافر : 82 ) . وفي فصلت : ( تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ) ( الآية : 30 ) . وفي الأحقاف : ( ألا تعبدوا إلا الله ) ( الآية : 21 ) . وفي القتال : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ) ( محمد : 10 ) .

ويدل على جواز النصب ظهوره في مثله ، ( فتكون لهم قلوب ) ( الحج : 46 ) . وقوله : ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ) ( محمد : 53 ) .

وقوله : ( ألا تطغوا في الميزان ) ( الرحمن : 8 ) أي لئلا . أو مجزوم . وقوله : ( إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ) ( الممتحنة : 2 ) . وقوله تعالى : ( هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) ( المرسلات : 35 - 36 ) ، فإن " يعتذرون " داخل مع الأول في النفي عند سيبويه بدليل قوله : ( هذا يوم لا ينطقون ) ، فإن كان النطق قد نفي عنهم في ذلك اليوم فالاعتذار نطق فينبغي أن يكون منفيا معطوفا على قوله : ( ولا يؤذن لهم ) ( المرسلات : 36 ) ولو حمل على إضمار المبتدأ - أي فهم يعتذرون - لجاز على أن يكون المعنى في " لا ينطقون " أنهم وإن نطقوا فمنطقهم كلا نطق ، لأنه لم يقع الموقع الذي أرادوه ، كقولهم : تكلمت ولم تتكلم .

وقوله : ( فلو أن لنا كرة ) ( الشعراء : 102 ) وعلى الأول يكون هذا قولا في [ ص: 132 ] أنفسهم من غير نطق . وقوله تعالى : ( ولكن ليطمئن قلبي ) ( البقرة : 260 ) يجوز أن يكون لام كي ، والفعل منصوب ، أو لام الأمر والفعل مجزوم . وقوله : ( أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ) ( الأعراف : 127 ) فالظاهر أنه منصوب ، ويجوز أن يكون مجزوما ، واللام زائدة ومن نصب " ويذرك " عطفه على " ليفسدوا "

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث