الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


عسى ولعل .

من الله تعالى واجبتان ،
وإن كانتا رجاء وطمعا في كلام المخلوقين ، لأن الخلق هم الذين تعرض لهم الشكوك والظنون ، والبارئ منزه عن ذلك . والوجه في استعمال هذه الألفاظ أن الأمور الممكنة لما كان الخلق يشكون فيها ، ولا يقطعون على الكائن منها ، وكان الله تعالى يعلم الكائن منها على الصحة صارت لها نسبتان :

نسبة إلى الله تعالى تسمى نسبة قطع ويقين ، ونسبة إلى المخلوق وتسمى نسبة شك وظن ، فصارت هذه الألفاظ لذلك ترد تارة بلفظ القطع بحسب ما هي عليه عند الله ، كقوله : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) ( المائدة : 54 ) .

وتارة بلفظ الشك بحسب ما هي عليه عند المخلوقين كقوله : ( فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ) ( المائدة : 52 ) ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) ( الإسراء : 79 ) .

وقوله : ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) ( طه : 44 ) وقد علم الله حين [ ص: 141 ] أرسلهما ما يفضي إليه حال فرعون ، لكن ورد اللفظ بصورة ما يختلج في نفس موسى وهارون من الرجاء والطمع ، فكأنه قال : انهضا إليه وقولا في نفوسكما لعله يتذكر أو يخشى .

ولما كان القرآن قد نزل بلغة العرب جاء على مذاهبهم في ذلك ، والعرب قد تخرج الكلام المتيقن في صورة المشكوك لأغراض فتقول : لا تتعرض لما يسخطني ، فلعلك إن تفعل ذلك ستندم ، وإنما مراده أنه يندم لا محالة ، ولكنه أخرجه مخرج الشك تحريرا للمعنى ، ومبالغة فيه ، أي أن هذا الأمر لو كان مشكوكا فيه لم يجب أن تتعرض له ، فكيف وهو كائن لا شك فيه .

وبنحو من هذا فسر الزجاج قوله تعالى : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) ( الحجر : 2 ) . وأما قوله : ( لعلي أبلغ الأسباب ) ( غافر : 36 ) فاطلاعه إلى الإله مستحيل ، فبجهله اعتقد في المستحيل الإمكان ، لأنه يعتقد في الإله الجسمية والمكان .

ونص ابن الدهان في " لعل " جواز استعمالها في المستحيل محتجا بقوله :

لعل زمانا تولى يعود

.

وقال أيضا : كل ما وقع في القرآن من عسى فاعلها الله تعالى فهي واجبة . وقال قوم : إلا في موضعين ، قال تعالى : ( عسى ربه إن طلقكن ) ( التحريم : 5 ) ولم يطلقهن ولم يبدل بهن . وقوله : ( عسى ربكم أن يرحمكم ) ( الإسراء : 8 ) وهذه في بنى النضير ، وقد سباهم النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم وأبادهم .

وقال أيضا : وهذا عندي متأول ، لأن الأول تقديره : " إن طلقكن يبدله " وما [ ص: 142 ] فعل ، فهذا شرط يقع فيه الجزاء ولم يفعله ، والثاني تقديره : " إن عدتم رحمكم " وهم أصروا ، وعسى على بابها . ( قال ) : وعسى ماضي اللفظ والمعنى ، لأنه طمع وقد يحصل في شيء مستقبل . وقال قوم : ماضي اللفظ مستقبل في المعنى ، لأنه أخبر عن طمع يريد أن يقع .

واعلم أن عسى تستعمل في القرآن على وجهين :

- ( أحدهما ) ترفع اسما صريحا ويؤتى بعده بخبر ، ويلزم كونه فعلا مضارعا ، نحو : عسى زيد أن يقوم ، فلا يجوز قائما ، لأن اسم الفاعل لا يدل على الزمان الماضي ، قال الله تعالى : ( فعسى الله أن يأتي بالفتح ) ( المائدة : 52 ) فيكون " أن والفعل " في موضع نصب بعسى . وقال الكوفيون : في موضع رفع بدل ، ورد بأنه لا يجوز تركه ، ويجوز تقديمه عليه .

- ( الثاني ) أن يكون المرفوع بها " أن والفعل " ، وهو عسى أن يقوم زيد ، فلا يفتقر هنا إلى منصوب ; لأن المرفوع بها و " أن " في المعنى اسم واحد . ونظيره : ( وحسبوا ألا تكون فتنة ) ( المائدة : 71 ) . ومنه قوله تعالى : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) ( الإسراء : 79 ) لا يجوز رفع " ربك " بـ " عسى " ، لئلا يلزم الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي ، وهو " ربك " لأن " مقاما محمودا " منصوب بـ " يبعثك " .

وكذلك كقوله : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) ( البقرة : 216 ) لأن الضميرين متصلان بـ " تكرهوا " و " تحبوا " ، فلا يكون في " عسى " ضمير ، و ( أن ينفعنا ) ( القصص : 9 ) في موضع رفع ، ويجوز أن يكون على لغة من قال : " حسبت أن يفعل " ، فيكون فيها ضمير يعود على موسى و " أن ينفعنا " في موضع نصب

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث