الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

كتاب الزنى

بالقصر أفصح من مده ، وهو من الكبائر .

قال تعالى { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا } وأجمع أهل الملل على تحريمه ، ولهذا كان حده أشد الحدود ; لأنه جناية على الأعراض والأنساب .

وهو ( إيلاج ) أي إدخال ( الذكر ) الأصلي المتصل ولو أشل : أي جميع حشفته المتصلة به ، والأوجه أن ما وجب الغسل به حد به وما لا فلا ، ودعوى الزركشي وجوب الحد في الزائد كما تجب العدة بإيلاجه مردودة ، فقد صرح البغوي بعدم حصول التحليل والإحصان به فهنا أولى ، ووجوب العدة للاحتياط لاحتمال الإحبال منه كاستدخال المني ، ويتجه تقييد إطلاق البغوي المذكور في الإحصان والتحليل بما مر من عدم وجوب الغسل به أو قدرها من فاقدها لا مطلقا ، خلافا للبلقيني حيث ذهب إلى أنه لو ثنى ذكره وأدخل قدرها منه ترتبت عليه الأحكام ولو مع حائل وإن كثف من آدمي واضح ، ولو ذكر نائم استدخلته امرأة ، وإن لم يمكن انتشاره كما هو الأقرب وإن بحث البلقيني خلافه ، وقد علم مما قررناه أنه لا حد بإيلاج بعض الحشفة كالغسل ، نعم يتجه أنه لو قطع من جانبها فلقة يسيرة بحيث [ ص: 423 ] تسمى حشفة مع ذلك ويحس ويلتذ بها كالكاملة وجب الحد بها ( بفرج ) أي قبل آدمية واضح أصلي ولو غوراء كما بحثه الزركشي ، وهو ظاهر قياسا على الجناية ، أو جنية تحققت أنوثتها كما بحثه العراقي ; لأن الطبع لا ينفر منها حينئذ ( محرم لعينه خال عن الشبهة ) التي يعتد بها كوطء أمة بيت المال وإن كانت من سهم المصالح الذي له حق فيه ، إذ لا يستحق فيه الإعفاف بحال ، وحربية لا بقصد قهر أو استيلاء ، ومملوكة غيره بإذنه على ما مر مفصلا في الرهن ، وما نقل عن عطاء في ذلك غير معتد به مع أنه لم يثبت عنه ( مشتهى طبعا ) راجع كالذي قبله لكل من الذكر والفرج وإن أوهم صنيعه خلافه .

وحكم هذا الإيلاج الذي هو مسمى اسم الزنى ، إذ الإيلاج المذكور بقيوده هو مسماه ، والاسم الزنى إذا وجدت هذه القيود جميعها أنه ( يوجب الحد ) الجلد والتغريب أو الرجم بالإجماع ، وسيأتي محترزات هذه كلها .

والخنثى حكمه هنا كالغسل إن وجب الغسل وجب الحد وإلا فلا ، وما قيل من أن قوله خال عن الشبهة لا يوصف بحل ولا بحرمة [ ص: 424 ] رد بأن التحريم أصالة للعين ، والشبهة أمر طارئ عليه فلم يغن عنها وتعين ذكرها لإفادة الاعتداد بها مع طروها على الأصل ( ودبر ذكر وأنثى كقبل على المذهب ) ففيه رجم الفاعل المحصن وجلد وتغريب غيره وإن كان دبر عبده ; لأنه زنى وفارق دبره إتيان أمته ولو محرما في دبرها حيث لا يحد به على الراجح بأن الملك يبيح إتيان القبل في الجملة ولا يبيح هذا المحل بحال ، وفي قول يقتل فاعله بالسيف محصنا كان أو لا ، وفي طريق أن الإيلاج في دبر المرأة زنى وقد علم أن إتيانه حليلته في دبرها لا حد فيه ; لأن سائر جسدها مباح للوطء فانتهض شبهة في الدبر وأمته المزوجة تحريمها لعارض فلم يعتد به هذا حكم الفاعل .

أما الموطوء في دبره ، فإن أكره أو لم يكلف فلا شيء له ولا عليه ، وإن كان مكلفا مختارا جلد وغرب ولو محصنا ذكرا كان أو أنثى ; إذ الدبر لا يتصور فيه إحصان ، وفي وطء الحليلة التعزير إن عاد له بعد نهي الحاكم له عنه .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

[ ص: 422 ] كتاب الزنى ( قوله : وهو من أكبر الكبائر ) لم يبين الشارح مرتبته بعد كونه من أكبر الكبائر ، وعبارة الزيادي : وهو أكبر الكبائر بعد القتل ا هـ .

وفي كلام بعض شراح الجامع الصغير أن أكبر الكبائر الشرك بالله ثم قتل النفس ، وأن ما وراء ذلك من السبع الموبقات وغيرها كالزنا لا ترتيب فيه ، وإنما يقال في كل فرد منه من أكبر الكبائر ( قوله : وهو إيلاج الذكر ) أي شرعا ، وأما لغة فالظاهر أنه مطلق الإيلاج من غير نكاح ا هـ حج

( قوله : والأوجه أن ما وجب الغسل به حد به ) أي الذكر الزائد لا يجب الغسل بإيلاجه حيث لم يكن على سمت الأصلي فلا يجب الحد به ، وقضيته أنه لو كان على سمت الأصلي حد به ، وقضية ما رد به على الزركشي خلافه ، وهو ظاهر لانتفاء الأصالة عنه ، وقضية قوله والأوجه إلخ أنه إذا علت المرأة عليه حتى دخلت حشفته في فرجها مع تمكنه من دفعها وجب الحد لوجوب الغسل عليه ، ويوجه بأن تمكينها من ذلك كفعله فيما يترتب عليه من اختلاط الأنساب

( قوله : في الزائد ) أي الذكر الزائد

( قوله : بعدم حصول التحليل والإحصان به ) أي بالزائد

( قوله : بما مر من عدم وجوب الغسل ) أي بأن تميز عن الأصلي ولم يكن على سمته ، ويمكن حمل كلام الزركشي على زائد يجب الغسل بإيلاجه

( قوله : أو قدرها ) عطف على قوله أي جميع حشفته

( قوله : ولو مع حائل ) غاية في وجوب الحد

( قوله : من آدمي واضح ) أي أو أجنبي تحققت ذكورته أخذا مما ذكره في المولج فيه فيجب على المرأة [ ص: 423 ] الحد إذا مكنته

( قوله : بفرج ) أي ولو فرج نفسه كأن أدخل ذكره في دبره ، ونقل عن بعض أهل العصر خلافه فاحذره ، ونقل بالدرس عن البلقيني ما يصرح بما قلناه وهل من الفرج ما لو أدخل ذكره في ذكر غيره أو لا ؟ فيه نظر ، وإطلاق الفرج يشمله فليراجع

( قوله : أو جنية تحققت أنوثتها ) فيجب على واطئها الحد ظاهره ولو على غير صورة الآدمية لكن التعليل يقتضي خلافه ، وبه صرح حج فقيد بما إذا تشكلت بشكل الآدميات ، إلا أن يقال : لما تحقق أنوثتها ، وأنها من الجن علم أن هذه ليست الصورة الأصلية فلم ينفر طبعه منها النفرة الكلية ( قوله : محرم لعينه ) قال الزركشي : يرد عليه من تزوج خامسة انتهى سم على منهج : أي فإنه يحد بوطئها مع أنها ليست محرمة لعينها بل لزيادتها على العدد الشرعي ، وقد يجاب بأنها لما زادت عن العدد الشرعي كانت كأجنبية لم يتفق عقد عليها من الواطئ فجعلت محرمة لعينها لعدم ما يزيل التحريم القائم بها ابتداء

( قوله : كوطء أمة بيت المال ) مثال للخالي عن الشبهة ، وكتب أيضا حفظه الله كوطء أمة بيت المال : أي وإن خاف الزنى فيما يظهر أخذا من قوله ; إذ لا يستحق إلخ

( قوله : لا بقصد قهر أو استيلاء ) أي فإن كان بقصدهما لا يحد لدخولها في ملكه ، وظاهره ، ولو كان مقهورا كمقيد وهو ظاهر ; لأن الحد يدرأ بالشبهة

( قوله : وما نقل عن عطاء في ذلك ) أي وطء مملوكة غيره

( قوله : وإن أوهم صنيعه ) أي حيث أخره عن وصف الفرج ( قوله : أنه يوجب الحد ) أي : وإن تكرر منه مائة مرة مثلا حيث كان من الجنس فيكفي فيه حد واحد .

أما إذا أقيم عليه الحد ثم زنى بعد ذلك فيقام عليه ثانيا وهكذا ، ثم رأيته كذلك عن فتاوى الشارح ، وعبارته : سئل الشمس الرملي فيمن زنى مائة مرة مثلا فهل يلزمه في كل مرة حد ، وإذا مات الزاني ولم يتب هل يحد في الآخرة ، وإذا تاب عند الموت هل يسقط عنه الحد ، وهل للزوج على من زنى بغير علمه ، وإذا مات الزاني هل يسقط حق زوجها عنه ؟ فأجاب يكتفى بحد واحد عند اتحاد الجنس ، ولا حد في الآخرة ، ولا يسقط بالتوبة ، وللزوج حق على الزاني بزوجته ، ويسقط حقه بالتوبة التي توفرت شروطها ( قوله : وجب الغسل ) بأن أولج وأولج فيه

( قوله : وإلا فلا ) أي بأن أولج فقط أو أولج فيه فقط ( قوله : لا يوصف بحل ولا حرمة ) المراد من هذه العبارة أن ما فيه الشبهة لا يوصف بحل [ ص: 424 ] ولا حرمة فلا حاجة للاحتراز عنه بقوله خال عن الشبهة

( قوله : ذكر وأنثى ) أي غير حليلة كما يأتي حرة أو أمة

( قوله : وفارق دبره ) أي دبر العبد المملوك

( قوله : حيث لا يحد به ) أي وإن تكرر

( قوله : يبيح إتيان القبل في الجملة ) هذا التعليل جعله في المنهج علة لوجوب الحد بوطء أمته المحرم في دبرها ، أما عدم الحد فعلله بما يأتي من أن الملك يبيح له سائر جسدها : أي ومنه التمتع بحلقة الدبر فدبر الأمة من حيث هو مباح في الجملة

( قوله : ولا يبيح هذا المحل ) أي العبد فإنه لا يباح منه .

فالحاصل أن الأمة تباح في الجملة ولا كذلك العبد

( قوله : وفي قول يقتل فاعله ) أي فاعل الوطء في الدبر

( قوله : وقد علم أن إتيانه حليلته في دبرها ) أي زوجة أو أمة

( قوله : لا حد فيه ) أي وإن تكرر مرارا وإنما يجب فيه التعزير فقط إن تكرر على ما يأتي من أنه يعزر إن عاد بعد نهي الحاكم عنه

( قوله : فلا شيء له ) ظاهره أنه إذا أكره الأنثى على ذلك لا مهر لها ، ومن ثم كتب سم على حج قوله فلا شيء له : أي فلا يجب له مال ، والظاهر أنه غير مراد لتسويتهم بين القبل والدبر إلا في مسائل ليست هذه منها فيجب لها المهر ، وأشار إلى ذلك في البهجة بقوله :

والدبر مثل القبل في الإتيان لا الحل والتحليل والإحصان     وفيئة الإيلا ونفي العنه
والإذن نطقا وافتراش القنه



( قوله : وفي وطء الحليلة ) أي في دبرها

( قوله : إن عاد له بعد نهي الحاكم ) أفهم أنه لا تعزير قبل نهي الحاكم وإن تكرر وطؤه

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث