الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        معلومات الكتاب

        عولمة الجريمة (رؤية إسلامية في الوقاية)

        الأستاذ الدكتور / محمد شلال العاني

        الفصل الثالث

        منهج السياسة الجنائية [1] الوضعية في الوقاية من الجريمة

        يجب على المجتمعات الإنسانية أن تضع في مقدمة الأهداف الرئيسة التي تسعى جاهدة لتحقيقها هـدف الوقاية من الجريمة ومكافحتها باستئصال واجتثاث الأسباب المؤدية إليها، أو الظروف والعوامل المساعدة على اقترافها، إذ أن الاستقرار في الحياة العامة والنمو الاجتماعي والازدهار من أهم مقومات الأمن الاجتماعي، وذلك كله مرهون بسلامة المواطن وحمايته وتأمين استقراره النفسي.

        ونلاحظ من دراسة الأوضاع الاجتماعية السائدة أن هـناك تبدلا جوهريا في النظرة إلى الجريمة والمجرم والجزاء، وبالفعل بدأ المختصون في دراسة السلوك الإجرامي وتحليله يركزون بشكل خاص في البحث عن أفضل السبل للوقاية من الجريمة قبل وقوعها؛ لأن ذلك بالتأكيد هـو أفضل [ ص: 129 ] من معالجة الأمر بعد وقوع الجريمة، إذ تشكل الجريمة تهديدا مباشرا لسلامة الفرد والمجتمع بما تحمله من مخاطر وأضرار وبما تسببه من اضطراب في الحياة العامة، وهذا من علامات تقهقر المجتمع الإنساني.

        وجريا مع اتساع حركة الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي تتشعب يوما بعد يوم، ومع هـذا الاتساع الذي أصبح رمزا لحقيقة المجتمع المعاصر، لا بد أن تظهر مصالح متعارضة لا تخلو من التعقيد بصفتها نتيجة طبيعية لتنوع الحاجات الاجتماعية الضرورية، إلا أن الملاحظ أن هـذا التعارض بدأ يخرج عن المألوف لظهور كثير من النزعات المستحدثة في نطاق الحياة المعاصرة لا سيما تلك التي طغت فيها النزعة المادية الأنانية، مما أدى إلى حصول انكماش في الجانب الاجتماعي والأخلاقي والإنساني وارتفاع نسبة الجرائم بشكل غير متوقع مما شغل بال المختصين كلهم في ميدان الفكر الإنساني عموما والميدان الجنائي خصوصا، وجعلهم يكرسون جهودهم لدراسة النفس الإنسانية دراسة معمقة من أجل أن ينعم الإنسان بالرخاء ويأمن الخوف، واستئصال كل ما يعكر صفو الحياة الهادئة.

        ولا ريب أن لكل مجتمع نظامه القانوني الذي يجسد الروابط التي يرتضيها ذلك المجتمع في علاقته الاجتماعية التي تمثل الأخذ والعطاء والمسئولية والجزاء، ومن الملاحظ بصفة عامة اختلاط القواعد القانونية بالقواعد الأخلاقية، إضافة إلى ذلك أن المجتمعات ليست ثابتة الأحوال وإنما هـي متحركة ومتغيرة، وهذا ما يمليه علينا دأب العمل وتطور الحياة [ ص: 130 ] الذي اتسم بظاهرة التغيير بحيث أصبح التغيير وليس الثبات هـو الطابع المميز لمختلف أوجه حياة الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، لذلك لا بد من استخدام المنهج العلمي التجريبي للوصول إلى القوانين التي تحكم هـذا المجتمع.

        إن المفهوم الحديث للوقاية في السياسة الجنائية المعاصرة سيكون موضوع بحثنا هـذا؛ لذا فإن الأغراض التي تتوخاها دراستنا هـذه هـو القيام بدراسة الظاهرة الجرمية والآثار المترتبة عليها، دراسة تأصيلية تحليلية تتسم بالعمق والأصالة، لتحيط بجوهر المشكلة وصولا إلى حلها، وتوقيا للآثار السلبية الناجمة عنها، أو الحد منها، أو الحد من تفاقمها، وذلك أضعف الإيمان.

        إلا أن ذلك لا يعني أن الإحاطة بحقيقة أي مشكلة من شأنه أن يفضي إلى حلها حتما، فإذا ما تضافرت عوامل وظروف متنافرة ومختلفة فإن ذلك يزيد من صعوبة الأمر.

        فالعوامل والظروف المحيطة بالإنسان ليست ثابتة من حيث تحققها ومن حيث تأثيرها، فالظروف والعوامل غير مستقرة على منهج واحد، بل تتغير بتغير الزمان والمكان، كما أن تأثير هـذه الظروف على شخصية الإنسان ليست ثابتة هـي الأخرى، إذ أن لكل إنسان شخصية مستقلة عن الأخرى تماما من حيث نوازعها واستعداداتها ومشاعرها، لهذا تبدو استحالة وجود [ ص: 131 ] قانون ثابت ينظم التفاعل بين الفرد والظروف المحيطة به، كالقوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية كالتبخر ونحوه من قوانين، فالعوامل المتشابهة قد تؤدي إلى نتائج متباينة، والعوامل المتنافرة قد تؤدي إلى نتائج متشابهة، فقد تتحقق الظروف ولا تحدث الجريمة، وقد لا تتحقق هـذه الظروف والعوامل إلا أن الجريمة تقع، وهذا يعني أنه بالنسبة للإنسان فإن العلاقة بين العامل والنتيجة هـي علاقة نسبية وليست حتمية [2] .

        ونظرا لأن موضوع الوقاية لم ينل الاهتمام اللازم الذي يتلاءم مع حجم الظاهرة الجرمية وتعقدها، لذا كانت المعالجات التي انتهت إليها الدراسات بعيدة عن الشمول والتكامل؛ لأنها لم تستند على الأسس العلمية والمنهجية، وهذا ما سنتولى بيانه في المباحث الآتية:

        المبحث الأول: السياسة الإنمائية

        المبحث الثاني: السياسة الوقائية.

        المبحث الثالث: الأسلوب العلمي المنهجي. [ ص: 132 ]

        التالي السابق


        الخدمات العلمية