الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4140 ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد رأيناهم أجمعوا أن إحصار العدو يجب به للمحصر الإحلال كما ذكرنا.

                                                واختلفوا في المرض؛ فقال قوم: حكمه حكم العدو في ذلك إذا كان قد منعه من المضي في الحج ، كما منعه العدو، وقال آخرون: حكمه بائن من حكم العدو فأردنا أن ننظر ما أبيح بالضرورة من العدو هل يكون مباحا بالضرورة بالمرض أم لا؟

                                                فوجدنا الرجل إذا كان يطيق القيام كان فرضه أن يصلي قائما، وإن كان يخاف إن قام أن يعاينه العدو فيقتله أو كان العدو قائما على رأسه فيمنعه عن القيام؛ فكل قد أجمع أنه قد حل له أن يصلي قاعدا وسقط عنه فرض القيام.

                                                وأجمعوا أن رجلا لو أصابه مرض أو زمانة [فمنعه] ذلك من القيام؛ أنه قد سقط عنه فرض القيام وحل له أن يصلي قاعدا، يركع ويسجد إذا أطاق ذلك، أو يومئ إن كان لا يطيق ذلك، فرأينا ما أبيح له من هذا بالضرورة في العدو قد أبيح له

                                                [ ص: 222 ] بالضرورة من المرض، ورأينا الرجل إذا حال العدو بينه وبين الماء سقط عنه فرض الوضوء ويتيمم ويصلي وكانت هذه الأشياء التي قد عذر فيها بالعدو قد عذر فيها أيضا بالمرض وكانت الحال في ذلك سواء ثم رأينا المحصر بالعدو قد عذر فجعل له في ذلك أن يفعل ما جعل للمحصر أن يفعل حتى يحل، واختلفوا في المحصر بالمرض فالنظر على ما ذكرنا من ذلك أن يكون ما ذهب له من العدو بالضرورة بالعدو يجب له أيضا بالضرورة بالمرض ويكون حكمه في ذلك سواء كما كان حكمه في ذلك أيضا سواء في الطهارات والصلاة.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس.

                                                قوله: "فقال قوم" هم أبو حنيفة وأصحابه والثوري ومن قال بقولهم.

                                                قوله: "وقال آخرون" هم مالك والشافعي وأحمد ومن قال بقولهم.

                                                قوله: "حكمه بائن" أراد أن حكم من منعه المرض مخالف لحكم من منعه العدو وحاصل وجه هذا القياس أن يقال: إن الحج عبادة كالصلاة ففي الصلاة يعذر المكلف بالمرض وبالعدو جميعا، فالنظر على ذلك ينبغي أن يعذر أيضا في الحج بالمرض والعدو، ثم اعلم أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي قال الكسائي وأبو عبيدة وأكثر أهل العلم باللغة: الإحصار المنع بالمرض أو ذهاب النفقة، والحصر حصر العدو ويقال: أحصره المرض وحصره العدو، وحكي عن الفراء أن أجاز كل واحد منهما مكان الآخر وأنكره المبرد والزجاج وقالا: وهما مختلفان في المعنى ولا يقال في المرض: حصره ولا في العدو أحصره وإنما هذا كقولهم: حبسه إذا جعله في الحبس وأحبسه أي عرضه للحبس وقتله أوقع به القتل وأقتله أي عرضه للقتل، وقبره دفنه في القبر، وأقبره عرضه للدفن في القبر، وكذلك حصره حبسه، وأحصره عرضه للحصر، وقد روى ابن أبي نجيح عن عطاء، عن ابن عباس "أن الحصر يختص بالعدو وأن المرض

                                                [ ص: 223 ] لا يسمى حصرا"، وقال البخاري: قال عطاء: "الإحصار من كل شيء يحبسه" ولما ثبت أن اسم الإحصار يختص بالمرض، وقال تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي وجب أن يكون اللفظ مستعملا فيما هو حقيقة وهو المرض ويكون العدو داخلا فيه بالمعنى فإن قيل: قد حكي عن الفراء فيهما لفظ الإحصار قيل له: لو صح ذلك كانت دلالة الآية قائمة في إثباته بالمرض لأنه لم يدفع وقوع الاسم على المرض وإنما أجازه في العدو فلو وقع الاسم على الأمرين كان عموما فيهما موجبا للحكم في المريض والمحصور جميعا.

                                                فإن قيل: لم يختلف الرواة أن هذه الآية نزلت في شأن الحديبية وكان النبي -عليه السلام- وأصحابه -رضي الله عنهم- ممنوعين بالعدو فأمرهم الله بهذه الآية بالإحلال من الإحرام فدل على أن المراد بالآية هو العدو.

                                                قيل له: لما كان سبب نزول الآية هو العدو ثم عدل عن ذكر الحصر وهو مختص بالعدو إلى الإحصار الذي يختص بالمرض، دل على أنه أراد إفادة الحكم في المرض ليستعمل اللفظ على ظاهره، ولما أمر النبي -عليه السلام-[أصحابه] بالإحلال وحل هو، دل على أنه أراد حصر العدو من طريق المعنى لا من جهة اللفظ، فكان نزول الآية مقيدا للحكم في الأمرين، ولو كان مراد الله تخصيص العدو بذلك دون المرض لذكر لفظا يختص به دون غيره، ومع ذلك لو كان اسما للمعنيين لم يكن نزوله على سبب موجبا للاقتصار بحكمه عليه، بل كان الواجب اعتبار عموم اللفظ دون السبب، ويدل عليه من جهة السنة حديث الحجاج بن عمرو -على ما ذكرناه- ومن جهة النظر والقياس على ما ذكره الطحاوي -رحمه الله-.

                                                فإن قيل: قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه بعد قوله: فإن أحصرتم يدل على أن المريض غير مراد بالإحصار؛ لأنه لو كان كذلك لما استأنف له ذكرا مع كونه أول الخطاب.

                                                [ ص: 224 ] قلت: لما قال: الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله منعه الإحلال مع وجود الإحصار إلى وقت بلوغ الهدي محله وهو ذبحه في الحرم، فأبان عن حكم المريض قبل بلوغ الهدي محله وأباح له حلق الرأس مع إيجاب الفدية، وأيضا ليس كل مرض يمنع الدخول إلى البيت، ألا ترى أنه -عليه السلام- قال لكعب بن عجرة: "أيؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم، فأنزل الله الآية". ولم يكن هوام رأسه مانعة من الدخول إلى البيت؛ فرخص الله له في الحلق، فأمر بالفدية، وكذلك المرض في الآية يجوز أن يكون المرض الذي لا يمنع الدخول إلى البيت، والله تعالى إنما جعل المرض إحصارا إذا منع الوصول إلى البيت، فليس في ذكره حكم المريض بما وصف ما يمنع كون المرض إحصارا؛ فافهم.




                                                الخدمات العلمية